فابن يعيش يذكر كلام البصريين وكلام البغداديين على البيت، وقوله:"وهو رأي البغداديين، ولا يراه البصريون"يظهر أنه لم يكن بغداديًا، إذ كيف يكون كذلك ويقول:"وهو رأي البغداديين"، فلو كان منهم لقال: وهو رأي أصحابنا البغداديين، أو ما أشبه ذلك.
ويبدو من الكلام الذي ساقه ابن يعيش أنه عنى بالبغداديين الكوفيين على نحو ما سلف.
وتكلف د.ضيف حين جعل عثمان بن عمر بن الحاجب (ت 646هـ) امتدادًا للبغداديين (71) .
على حين أن ابن الحاجب كان ينتصر لمذهب البصريين، وهذا بيّن من كلام د.إبراهيم عبد الله على مذهب الرجل، فقال:"إنه كان يرجّح مذهب البصريين في أكثر المسائل، ويستدل له، ويرد على الكوفيين، ويرميهم بأنهم أخذوا عن غير الفصحاء، وجدناه يكتفي بعرض آرائهم أحيانًا دون مناقشة، إلا أنه وافقهم في بضع مسائل، ودافع عنهم، وقد يقف موقفًا معتدلًا، فلا يميل إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، ولم نره يشير إلى البصريين بعبارة: (أصحابنا) ، وإنما استخدم عبارة: (أكثر الناس) ، وعنى بها البصريين، وسبق أن مر بنا أن أصوله النحوية لم تخرج عن دائرة الأصول النحوية للمدرسة البصرية، كما رأينا أن المصطلحات النحوية التي استخدمها كان معظمها من مصطلحات البصريين، ولم يستعمل من مصطلحات الكوفيين إلا قليلًا، وكل هذا يؤكد غلبة المذهب البصري عليه، فهو أخذ من البصريين والكوفيين وانتقدهم، إلا أنه كان يميل إلى آراء البصريين أكثر من ميله إلى آراء الكوفيين" (72) .
وعليه فإن د.عبد الله أنكر أن يكون ابن الحاجب بغداديًا.
ومما يستوقف النظر أن د.محمود نسب الرضي الأستراباذي (نحو 686هـ) إلى البغداديين (73) وكذا فعل د.ضيف أيضًا، فقال:"وانتهاجه نهج البغداديين واضح منذ الصفحات الأولى في شرحه على الكافية، إذ نراه يقف تارة مع الكوفيين، وتارة مع البصريين، وكثيرًا ما يختار ما انفرد به بعض أعلامهما، وقد يختار بعض آراء البغداديين" (74) .