فهرس الكتاب
وقد اختلف هذا الواقع بعد توحيد القبائل في ظل الدولة الإسلامية ذات الدستور الجديد والنظام السياسي والإداري الواضح. وصار الحاكم- الوالي- يعين من قِبَل الخليفة على مدينة، أو ولاية، قد يكون غريبًا عنها. وحتى الخليفة نفسه كان يتسلم مقاليد الخلافة بطريقة جديدة لم تكن معروفة من قبل. وقد أوجد ذلك كله ضرورة إطلاع الحاكم رعيته على السياسة التي سينتهجها أو الخطة التي سيسير عليها، في ظل النظام الإسلامي الذي جعل أمرهم شورى بينهم، يستشيرهم في ما يعترضه من أمور وخطوب، ويسترشد برأيهم. ولم تكن هناك وسيلة أفضل من الخطابة للتعبير عن ذلك كله.
وهكذا تناولت الخطابة السياسية جميع الموضوعات المتعلقة بشؤون الدولة وأمورها العامة، سواء أكانت تلك الموضوعات داخلية أم خارجية. فقد تعرضت الخطابة للحديث عن خطة الحكم من الناحية السياسية والدينية، ومن الناحية الاقتصادية في بعض الأحيان. كما تعرضت لما يتعلق بالحكم، وما يرتبط به، كالحديث عن أحقية هذا أو ذاك في الخلافة، والحديث عن الواجبات المترتبة على الحاكم والرعية، كل منهما تجاه الآخر وتجاه الدولة. كما تناولت توضيح الملابسات الحاصلة في بعض الفتن والأحداث، ولا سيما في الفتنة التي أودت بحياة الخليفة الثالث عثمان بن عفان (ر) . كذلك كانت نتيجة التحكيم المشهورة، التي قضت بعزل علي (ر) وتثبيت معاوية، من الأحداث الهامة التي تناولتها الخطابة السياسية، فأعلن أصحاب علي (ر) بطلانها لمخالفتها الحق، وأعلنوا عدم التزامهم بها، بينما اعتبرها معاوية وأصحابه مكسبًا سياسيًا واتخذوها حجة ضد أولئك.