فهرس الكتاب
وقد خلَّفت بيعة العقبة الثانية خطبًا قليلة، يمكن لنا بشيء من التوسع أن ندخلها في إطار الخطب السياسية. منها خطبة العباس بن عبد المطلب، وكان ما يزال على دين قومه، إلا أنه أحب أن يتوثق لابن أخيه ويحضر البيعة معه، فقال مخاطبًا الأنصار:"يا معشر الخزرج، إن محمدًا منّا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عزّ من قومه ومنَعَة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له، بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك. وإن كنتم ترون أنكم مُسْلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم، فمِن الآن فدعوه فإنه في عزّ ومنعة من قومه وبلده" (9) .
ومن تلك الخطب أيضًا خطبة العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري، التي توجَّه بها إلى الخزرج، لتنبيههم إلى خطورة الأمر الذي هم فيه. وما يترتب عليه من واجبات ثقيلة، قد يكون الانفعال الديني حال بينهم وبين إدراكها أو الانتباه إليها (10) .
وطبيعي أن تدور موضوعات هذه الخطابة حول توثق كل طرف من التزام الطرف الآخر به، والتزام كل طرف واستعداده لتحمل تبعات هذا الالتزام. وكان الرسول (( ) والأنصار يدركون أن احتضان المدينة للدعوة الجديدة، التي حاربتها قريش وحاولت قتلها في المهد، سيقودها إلى مواجهات وأزمات. والواقع أن تنفيذ المعاهدة كان يعني وجود دولة إسلامية ستشكل خطرًا على الكيانات السياسية الموجودة في الجزيرة العربية، وعلى الأنظمة القائمة فيها، وهذا سيؤدي إلى نشوب حروب كثيرة على الدولة أن تخوضها، ويجب على الطرفين المتعاهدين أن يدركا ذلك، وأن يكونا على استعداد كامل له، لأن إخلال أي منهما بوعده سيكون له نتائج لا تحمد عقباها.