فهرس الكتاب

الصفحة 13764 من 23694

لكن ما افتقدناه في عهد النبوة يطالعنا في عهد الخلفاء الراشدين (ر) ، إذ أخذ الخلفاء والولاة يوضحون عند وصولهم إلى السلطة خطَّتهم في الحكم، والسبيل التي سيسلكون في التعامل مع الرعية، دون إشارة من قريب أو بعيد إلى ذكر سياسة الدولة الخارجية. ومن أمثلة ذلك خطبة أبي بكر الصديق (ر) التي ألقاها بعد البيعة والتي يقول فيها بعد حمد الله تعالى والثناء عليه بما هو أهله:"أما بعد أيها الناس، فإني قد وُلِّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنتُ فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قويّ عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدعُ قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذلّ، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمّهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم..." (11) .

وفي معظم الأحيان كانت تسير خطب هذه المناسبات على هذه الشاكلة، ونلاحظ غلبة الطابع الديني عليها. بل إنها قد تتحوّل إلى خطبة دينية خالصة في بعض الأحيان، كما نجد في خطبة عبادة بن الصامت في أهل حمص- وكان عمر بن الخطاب (ر) قد استعمله عليهم- إذ لا نجدُ ذكرًا فيها لخطة الحكم أو غير ذلك من الأمور المتعلقة بالسياسة، وإنما نراه يحذرهم من غرور الدنيا، ويذكرهم بالآخرة والحساب، ويدعوهم إلى العمل الصالح (12) . ولا غرو في ذلك فقد كانت شخصية الحاكم دينية سياسية في آن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت