فهرس الكتاب

الصفحة 13765 من 23694

غير أن أحوال العصر السياسية، والفتن، التي سبقت عهد علي بن أبي طالب (ر) كان لا بد أن تترك أثرها في خطبته التي ألقاها بعد توليه. فهو لا يوضح خطته في الحكم، ولا يدعو الناس إلى العمل الصالح أو يذكرهم بالآخرة، كما فعل أسلافه، وإنما يستكشف صورة المستقبل من خلال أحداث الحاضر، ويخبر الناس بما تحمله الأيام المقبلة من عذاب، ومن خروج عن النهج الصحيح الذي رسمته الشريعة الإسلامية، فيقول:"ألا وإنْ بَليّتكُم قد عادت كهيئَتها يومَ بعثَ الله نبيَّهُ. والذي بعثه بالحق لَتُبَلْبَلُنَّ بَلبَلةً ولَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلةً، ولَتُساطُنَّ سَوْطَ القِدْرِ، حتى يعودَ أسفلُكُمْ أعلاكُم، وأعلاكُم أسفلكُم..." (13) .

والواقع أنَّ تلك الفتن والأحداث نحت بالعلاقة مع السلطة منحىً آخر لم يكن معهودًا من قبل في دولة المسلمين، فترك ذلك أثره في ظهور ظاهرة جديدة في خطب هذه المناسبات، لم تكن معروفة من قبل، وهي التهديد. وتتجلى هذه الظاهرة بوضوح في خطبة سعيد بن العاص الذي أرسله عثمان (ر) واليًا على الكوفة، فحاول منذ وصوله أن يرمي الرعب في قلوب أهل الكوفة ليضمن طاعتهم وكانوا معروفين بأنَّهم لا يرضون عن أمير، ولذلك لم يطِل خطبته فيهم، ولم يدعُهم إلى الصلاح والورع، وإنما عبَّر عن خطته بإيجاز قائلًا:"والله لقد بُعِثتُ إليكم وإني لكاره، ولكني لم أجد بدًّا إذا أمرت أن أتَّمِر، ألا إنّ الفتنة قد أطلعت خطمها وعينيها، ووالله لأضربّنَّ وجهها حتى أقمعها أو تعييني، وإني لرائد نفسي اليوم" (14) .

وكما كان الخليفة يشير إلى خطته في الحكم، كان يشير في بعض الأحيان إلى ما أنجزه من مهام، وما قام به من أعمال، كما نرى في خطبة عمر بن الخطاب (ر) التي ألقاها عندما أراد القفول من الشام، وكان فيها، إذ أشار إلى أنه أعطاهم حقوقهم بالعدل، وأمَّن لهم سُبل الدفاع، وأمر ولاتهم بالسير فيهم بالعدل (15) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت