فهرس الكتاب
وهذه اللهجة القاسية تعود إلى الليونة، بعد أن طال الحصار عليه، دون أن تأتي قوات من الأمصار لنجدته، ويكتشف أن الآمال التي بنى عليها كلامه كانت سرابًا خادعًا، وأنه ليس أقمن، إنْ قال: هلم، أن تجاب دعوته من عمر، لأنه، كما يبدو، كان معتمدًا على أسرته الأموية التي قرَّبها، فكانت سببًا في تفاقم الفتنة، وكانت لها طموحاتها الخاصة، وليست على استعداد للتخلي عنها، بينما اعتمد عمر (ر) على بناء قاعدة جماهيرية صلبة وواسعة، واستطاع، بما آتاه الله من موهبة، أن يقيم بين جماعاتها معادلة توازن دقيقة ولَّدت الأمن والاستقرار.
وبعد المفاجأة التي صدمت الخليفة عثمان (ر) تغيب عن خطابته أساليب التهديد والوعيد، وتميل إلى المسالمة والموادعة، فيعلن توبته بعد أن يعترف بخطئه (17) . لكنه يرفض قبول طلب الثوار في التنازل عن الخلافة:"أما قولكم تخلع نفسك، فلا أنزع قميصًا قمَّصنيَهُ الله عز وجل..." (18) . وهكذا يتمسك بنظرية الحق الإلهي التي هي أقدم النظريات حول أساس السلطة (19) .
وبعد مقتل عثمان (ر) وتسلم علي (ر) الخلافة، سادت حالة من التوتر على البلاد التي شهدت أحداثًا عظيمة، وشهد المجتمع الإسلامي انقسامًا بين مؤيّد للخليفة الجديد ومعارض. وكان من شأن ذلك أن يدفع بالخطابة السياسية إلى آفاق جديدة، وأن يمدّها بمقومات نموّها واكتمالها.
لقد كان لكل فريق من المسلمين خطباؤه الذين يؤيدون موقفه ويرونه صوابًا، ويتَّهمون الفريق الآخر ويدعون إلى مقاتلته. وكلٌّ يعرض حججه وإثباتاته. أما المعارضون لعلي (ر) فكانت خطبهم في الحضّ على الجهاد، وسنشير إليها فيما بعد. أما خطابة علي (ر) وأنصاره فيمكن أن نشير إلى أبرز الأفكار التي وردت فيها، والتي كان الخطباء يتكئون عليها في مواجهة خصومهم:
1-الاحتجاج لحقّ عليّ (ر) في الخلافة):