فهرس الكتاب
لقد كثف معاوية نشاطه بعد التحكيم، سياسيًا وعسكريًا، ضد علي (ر) ، محاولًا استغلال الأوضاع التي آل إليها جيش العراق إلى أبعد حدٍّ ممكن. ولم يكن علي (ر) قادرًا على إحباط محاولات معاوية وجهوده، بسبب الحالة التي آل إليها جيشه، فكان يتألم لتثاقل أصحابه عن الجهاد، ومخالفتهم له في الرأي، ويؤنّبهم لتفرقهم عن حقهم واجتماع أصحاب معاوية على باطلهم (26) . وهو دائمًا يشير في تأنيبه لأصحابه إلى أن أصحاب معاوية سينتصرون على أصحابه، ليس لأنهم أكثر قوة أو أقرب إلى الحق، ولكن لطاعتهم صاحبهم، وتمسكهم به، وعدم مخالفتهم لشيء من أوامره، وينظر علي بكثير من الحسرة والألم إلى هذه المفارقة في تفرّق أصحابه عنه، وهو على الحق، واجتماع أهل الشام على معاوية، وهو على الباطل، حتى ليتمنّى أن يبادله معاوية الرجال فيأخذ منه عشرة ويعطيه رجلًا واحدًا، فيقول:"أيها القوم الشاهدة أبدانهم، الغائبة عنهم عقولهم، المختلفة أهواؤهم، المُبْتَلى بهم أمراؤهم، صاحبكم يطيع الله وأنتم تعصونه، وصاحب أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه! لوددت والله أنَّ معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم؛ فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني رجلًا منهم" (27) .
والواقع أن مشكلة التحكيم أوجدت أفكارًا جديدة تتردد في خطابة علي (ر) السياسية غير تأنيبه لأصحابه. فلم يكن لانفصال جماعة الخوارج عن جيشه أثر عسكري وحسب، وإنما كان له أثره السياسي أيضًا. فقد طرحت أكثر من إشارة استفهام حول صحة موقف علي (ر) من التحكيم، وأخذت الثقة تتزعزع في النفوس، حتى إنَّ رجلًا من أصحابه قام إليه فقال:"نهيتنا عن الحكومة ثم أمرتنا بها، فلم ندرِ أي الأمرين أرشد" (28) .
حاول علي (ر) أن يعيد جماعة"الخوارج"إلى صفوفه، فراح يدعوهم إلى عدم الفرقة، ويبيّن لهم صحة موقفه محتجًا على ذلك بالقرآن الكريم والحديث الشريف (29) ، ويذكرهم بأنهم هم الذين طلبوا التحكيم (30) .