فهرس الكتاب
ولم يكن من الضروري أن تعقد مجالس خاصة يختلي فيها ذوو الرأي والتشاور، فكثيرًا ما كان يتم هذا الأمر في المساجد، أو في ساحات القتال أمام الملأ، إذ يخطب الحاكم- أو القائد- مُعلنًا ما يعقد العزم عليه، وطالبًا الرأي والنصيحة من ذوي الرأي، فيقوم هؤلاء ويدلون بآرائهم، وكثيرًا ما تكون ردودهم بشكل خطبة يؤيدون فيها فكرته، ويشجعونه على المضي فيما يراه، أو يعترضون، وعندئذ يقدمون آراءهم واقتراحاتهم التي يرونها أفضل أو أكثر جدوى. وفي كثير من الأحيان كان هؤلاء يعرضون آراءهم إزاء هذا الحدث أو ذاك من الأحداث الجارية دون دعوة لاستشارتهم (37) .
ومن تلك المشاورات ما كان بين الرسول (( ) وأصحابه قبيل معركة أُحد؛ فقد رأى (( ) رؤيا، فلما أصبح واجتمع المسلمون، صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:"أيها الناس، إني قد رأيت في منامي رؤيا؛ رأيت كأني في درع حصينة، ورأيت كأن سيفي ذا الفقار انفصم من عند ظُبَتِه، ورأيت كأني مردف كبشًا. فقال الناس: يا رسول الله فما أوَّلتَها؟ قال: أما الدرع الحصينة فالمدينة، فامكثوا فيها، وأما انفصام سيفي عند ظبته فمصيبة في نفسي، وأما أني مردف كبشًا فكبش الكتيبة نقتله إن شاء الله" (38) ، وقال (( ) لأصحابه: أشيروا عليَّ. فقام رجال منهم وخطبوا معبرين عما يرونه مناسبًا (39) .
ومن تلك المشاورات أيضًا ما كان بين أبي بكر الصديق (ر) وبعض أصحابه عندما أراد أن يجهز الجيوش إلى الشام (40) ، وما كان بين عمر (ر) وأصحابه عندما علم بتجمع جموع الفرس بنهاوند (41) ، وكذلك ما كان بين علي (ر) وأصحابه عندما أرادوا المسير إلى أهل الشام (42) . وغير ذلك كثير.