فهرس الكتاب
ويُلاحظ أنَّ خطب المشاورات التي قيلت في الحروب الداخلية تتعرض لذكر الخصوم ونياتهم وأفعالهم وأهدافهم ومثالبهم... بخلاف خطب المشاورات التي قيلت حول الفتوحات، فهذه الأخيرة لم تتعرض لذكر الخصوم إلا من حيث قوتهم، وهذا الأمر يعود إلى الاختلاف الكبير بين الحربين، وذلك لأن الحروب الداخلية كانت بين المسلمين أنفسهم، وكل فريق من المتحاربين يعرف الكثير عن الفريق الآخر. ومن جهة أخرى كان على كل فريق أن يسعى لإعطاء موقفه صفة الشرعية، ويوضح المسوّغات التي تبيح له محاربة ذلك الفريق المسلم.
وفي كثير من الأحيان نلاحظ أن الحاكم كان يقوم، بعد أن يستمع إلى الآراء كافة، فيخطب في القوم موضحًا رأيه الذي استقرّ عليه بعد الشورى والأمر الذي عقد العزم عليه (43) .
وكثيرًا ما كانت هذه الخطب تقصر حتى لا تكون أكثر من عبارات قليلة، يوجز فيها الخطيب قراره الذي اتخذه، كقول علي (ر) بعد استشارة أصحابه في المسير إلى الشام:"سيروا إلى أعداء الله، سيروا إلى أعداء السنن والقرآن، سيروا إلى بقية الأحزاب، قتلة المهاجرين والأنصار" (44) .
ثالثًا- المناظرات السياسية:
هذا النوع من الخطابة السياسية عرفه صدر الإسلام، ولجأ إليه الخطباء المسلمون، لكن ملامحه لم تتضح بشكل جلي إلا في العصر الأموي، إذ صار المسلمون شيعًا وأحزابًا، كلٌّ يدّعي أن الحق إلى جانبه، وأنه على صراط مستقيم. واقتضى ذلك الاهتمام بالحجج الدامغة، والجدل، لإقناع الخصوم بضعف مذهبهم.
ومع ذلك فقد شهد صدر الإسلام أحداثًا ومواقف دفعت بالخطباء المسلمين إلى الاعتماد على هذا الفن، ولعل من أهم تلك الأحداث ما جرى بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة، يوم توفي النبي الكريم (( ) وطرحت مسألة الحكم للمناقشة بصوت مسموع (45) .