أما معاوية وأصحابه فقد كان الثأر لعثمان (ر) ديدَنَهم، فراحوا يطالبون به، ويذكرون أنهم على حق، وأن عليًا (ر) على باطل، لأنه نكث البيعة، وسفك الدم الحرام. وإن لم يكن قتل عثمان (ر) ؛ فقد خذله، وليس له في الحالين عذر عند الله. كما أنهم يشيرون إلى مكانة عثمان (ر) ؛ فهو صهر الرسول (( ) ، ومجهز جيش العسرة. فأما ما أخذ عليه من أخطاء فليس يعني أنه خرج عن الحق واستحق القتل قصاصًا، فقد أذنب الأنبياء من قبل، وهم خير منه وأعلى منه منزلة عند الله.
ولما فطن هؤلاء إلى أن حججهم الدينية لا تبلغ من القوة ما تبلغه حجج علي (ر) وأصحابه فقد اهتموا بأسلوب آخر، وهو إظهار علي (ر) وأصحابه بمظهر المعتدي الغازي الذي يطمع في الاستيلاء على الشام عنوة، ولذلك ترك العراق وأتى إليها. ولا شك في أن هذا الأسلوب كان أكثر إثارة للحمية الجاهلية، ولا سيما حين يشير الخطباء إلى الخطر الذي يحمله العراقيون على النساء والذراري. يقول يزيد بن أسد البجلي:"... ثم قد كان مما قضى الله أن جمعنا وأهل ديننا في هذه الرقعة من الأرض. والله يعلم أني كنت لذلك كارهًا، ولكنهم لم يبلعونا ريقنا، ولم يتركونا نرتاد لأنفسنا، وننظر لمعادنا، حتى نزلوا بين أظهرنا، وفي حريمنا وبيضتنا. وقد علمنا أن في القوم أحلامًا وطغامًا، فلسنا نأمن طغامهم على ذرارينا ونسائنا. وقد كنا نحب ألا نقاتل أهل ديننا فأخرجونا حتى صارت الأمور إلى أن قاتلناهم كراهية..." (59) .