أما في تحريض المنهزمين من ساحة المعركة على القتال، ودعوتهم للصبر والثبات، فكان الخطباء يعمدون إلى ذكر القوم بقبيلتهم، وتذكيرهم بمكانتها، وبتاريخها المفعم بالشجاعة والإقدام، مع الإشارة إلى ما يحمله الفرار على القبيلة من العار، ولكن دون إهمال المغريات الدينية إهمالًا تامًا؛ كالتذكير بالجنة التي أعدّت للمجاهدين والشهداء، والتذكير بأن الفرار لا ينجي من قضاء الله (60) . ويبدو أن الخطباء كانوا يرون في ذلك الفرار ضعفًا في إسلام المنهزمين، ولذلك فإن إثارة الحمية الجاهلية أكثر جدوى في تثبيتهم، وإثارة حماستهم، من إثارة العواطف الدينية.
ولم يكن التحريض على القتال وقفًا على الرجال، فقد شاركت النساء في ذلك، وتحريض النساء أمر معروف منذ الجاهلية ونجد إشارات إليه في الشعر (61) . وقد حفظت لنا كتب الأدب بعض خطب النساء المسلمات في التحريض، وهي لنساء كنّ مع علي (ر) في صفين، فكنّ يفعلن كما يفعل الرجال، يذكرن عليًا (ر) ومقامه وإيمانه، ويشرن إلى بغي أهل الشام وتفاقمهم، ويذكّرن بالجنة والثواب والنصر القريب، ويدعين إلى الثبات والصبر (62) .
وفي خطب الحض على الجهاد كثيرًا ما يلجأ الخطيب إلى توصية الجند ببعض الوصايا الحربية التي من شأنها أن تزيد من شجاعتهم، وتوقع الرعب في قلوب أعدائهم. كاتخاذ أوضاع معينة في القتال، واتباع خطة محددة في مواجهة العدو.
وهناك لون آخر من خطابة الحضِّ على الجهاد؛ وهو خطب الاستنفار للقتال. وهذا اللون يختلف عن خطب الحض على الجهاد قليلًا، إذ إن خطب الاستنفار تكون قبل المعركة، لكنه يتفق معها في الدعوة إلى الجهاد، وذكر الجنة ونعيمها، والشهادة ومنزلتها. وفي الفتن الداخلية كان الخطيب يشير إلى مثالب الأعداء في كثير من الأحيان، ويؤكد للقوم أن قتالهم جهاد في سبيل الله... إلى غير ذلك من الأفكار التي تتردد في خطب الحضّ على الجهاد.