ولعل أقدم من تناول البحث في غريب القرآن أبو سعيد أبان بن تغلب بن رباح البكري (ت 141ه) الذي قال فيه ياقوت"صنّف [أبان] كتاب الغريب في القرآن وذكر شواهده من الشعر". (7) ثم تعاقبت كتب كثيرة في غريب القرآن، ومن الذين ألفوا فيه: أبو فيد مؤرخ السدوسي (ت 195ه) وأبو محمد يحيى ابن المبارك اليزيدي (ت 202ه) والنضر بن شميل (ت 204ه) وأبو عبيدة مَعْمَر بن المثنى (ت 213ه) ، وأبو سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي (ت 216ه) والأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة (ت 215 أو 221ه) ، وأبو عبيد القاسم بن سلام (ت 224ه) ومحمد بن سلام الجمحي (ت 231ه) ، وابن قتيبة (ت 276ه) وثعلب (ت 291ه) . (8) . وقد وصل إلينا من كتب هؤلاء المؤلفين كتاب (غريب القرآن) لابن قتيبة. (9) وكتب الغريب هذه كتب لغة، على الرغم من أنّها لم تكن خالصة للغة، ألّفها لغويون بارزون عند العرب، وهذا شيء طبيعي؛ لأن علم الغريب علم يُعنى بشرح الكلمات الغريبة. ويفسّر المعاني الخفيّة والأساليب الغامضة، فيجلو معناها ويكشف عن مراميها. (10) ومن يَعُدْ إلى كتاب (غريب القرآن) لابن قتيبة (ت 276ه) يجد سعة العلم، وغزارة المادة، من خلال تفسير المفردات الغريبة تفسيرًا لغويًا مؤيَّدًا بالشواهد الشعرية الكثيرة، والأحاديث النبوية الشريفة، كما يجد أنَّه مزّج بين منهج المفسرين وعلماء اللغة، ولذلك قال الدكتور حسين نصار:
"ومنهج كتاب ابن قتيبة خليط من منهج كتب اللغة، وكتب التفسير، فهو يضم ظواهرهما معًا. فبينما يفسر الألفاظ لغويًا، ويستشهد عليها بالأشعار والأحاديث وأقوال العرب، ويبيّن وزنها أحيانًا، يفسّرها قرآنيًا، فيبيّن في السور المدني من المكي أحيانًا، ويقتبس أقوال مشهوري المفسرين" (11) .