ثم تعاقب التابعون وتابعوهم على إقراء الناس، وممّا يلفت النظر أنَّ الروّاد الأوائل الذين وضعوا نقط المصحف وضبطه تعاقبوا على الاقراء في البصرة، فكانت حركة الاختيار عند هذه الطبقة تساير نمو علم العربية. وفي طليعة هذه الطبقة أبو الأسود الدؤلي (ت 69ه) مؤسس علم النحو، وأول من نقط المصحف نقط الاعراب، وقد أخذ القراءة عرضًا على علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان رضي الله عنهما، وعنه أخذ النحو والقراءة يحيى بن يعمر (ت 129ه) ، ونصر بن عاصم (ت 90ه) اللذان كان لهما في نقط المصاحف شأن، حتى لقد اُدعي لكلّ واحدٍ منهما أنّه السابق إلى ذلك. وعن نصر ويحيى أخذ القراءة عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي (ت 117ه) ، وعلى عبد الله بن أبي اسحق عرض عيسى بن عمر الثقفي ( ت 149هـ ) وهو شيخ الخليل بن أحمد في العربية.
ومن ثم غطّى على جميع مَنْ تقدم الامام العلم أبو عمرو بن العلاء (ت 154ه) الذي يُعَدّ القِمّة التي انتهى إليها تطور حركة الاختيار، وما تشتمل عليه من أسس نقدية قبل حركة التأليف المنهجي وظهور الكتب الجامعة في القراءات وتحليلها. ومن بعد أبي عمرو قام صاحبه أبو محمد يحيى بن المبارك المعروف باليزيدي (ت 202ه) وعنه انتشرت قراءة أبي عمرو في الآفاق، واختار إلى جانب ذلك قراءة لنفسه. (14) .