ويرتبط علم القراءات بنزول القرآن على سبعة أحرف، واذْنِ الرسول (ص) لكل قبيلة أن تؤدي ألفاظ التنزيل بلغتها لصعوبة تحولها إلى لسانٍ غير لسانها مما أدّى إلى اختلاف القراءات، وكثيرًا ما كان اختلاف وجوه القراءة يؤدّي إلى اختلاف وجهات النظر في معاني اللفظ القرآني، وفق الوجه المختار، فمن القراء من وافق اختياره معنى اللفظ وأبقى عليه، ومنهم من خالف اختياره معنى اللفظ ووجه إلى معنى آخر غير الأول، والأمثلة على ذلك كثيرة منها اختلاف القراء في قراءة قوله تعالى (وقُرّآنًا فَرَقْنَاه لتَقرَأهُ على الناسِ على مُكْثٍ(15) . فقرأتْهُ عامة قرّاء الأمصار"فَرَقْنَاه"بتخفيف الراء بمعنى أحكمناه وفصّلناه وبينّاه. وذكر عن ابن عباس أنّه كان يقرؤه بتشديد الراء (فرّقناه) ، بمعنى نزّلناه شيئًا بعد شيء، آية بعد آية..
قال الطبري:وأولى القراءتين بالصواب عندنا: القراءة الأولى، لأنها القراءة التي عليها الحُجة مجمعة، ولا يجوز خلافها فيما كانت عليه مجمعة من أمر الدين والقرآن (16) .
ومنها اختلاف القراء في قراءة قوله تعالى: (آتوني زُبُرَ الحديد) . (17)
فمن قرأه بالمدّ (آتوني) جعله من الاعطاء، ومَنْ قرأه (أتُوني) جعله من المجيء. والوجه أن يكون ها هنا من الإعطاء لأنه لو أراد المجيء، لأتى معه بالباء، كما قال تعالى: (وَأْتُوني بِأهْلِكُمْ أجْمَعِيْن) . (18)
إن اختلاف القراء في قراءة هذه الحروف وأشباهها، دفع القرّاء إلى التماس معاني المفردات لدعم الوجه المختار، وتوجيهه، وتوضيحه، ممّا أدى بهم إلى أن يُسْهِموا في تفسيرِ مفرداتِ عدد غيرِ قليلٍ من مفردات القرآن.
3-جهود الباحثين في لغات القرآن:
لعل أول من أُثِرَ عنه العمل في هذا الميدان اللغوي المتَّصل بألفاظ القرآن، الصحابي الجليل عبد الله بن عباس (ت 68ه) . وفي مقدمة ما وصل إلينا من كتب لغات القرآن كتابه (اللغات في القرآن) . (19)