وتتسع حلقة المنبوذبن لتضم الأدباء الفلاسفة والفقهاء المغضوب عليهم والمتصوّفة الشعراء الكتاب. ويمكنها أن تتصل بمن كانت حياتهم- وهم من أهل الفكر والأدب- بين النبذ والتقريب، وتلامس هذه الحلقة الواسعة كل الأدباء والمفكرين الذين كانوا بعيدين من موضع الحكم والمال والوجاهة وجميع من عاش على هامش المدينة وهم فيها مثل العبيد وأهل البادية المحرومين.
إن أشعار المتسولين الباقية مقطعات وأبيات متفرقة وقصائد قليلة. وقد احتفظ لبعضهم بقصائد مطولة تبلغ مائة البيت أو المائتين (3) .
وقد جمع أشعار طائفة من المكدين باحث في كتيب قدم له بمدخل حضاري مفيد، فعلى هذا المتن نعول في عملنا هذا (4) وبسبب ما أصاب هذا اللون الشعري وغيره من إهمال تظل الأفكار المعروفة عن الأدب العربي منقوصة لا تقدم له صورة كاملة تفي بكل ألوانه وروافده، لذلك جعلت الغاية من بحثي هذا النظر إلى شعر التكدية باعتباره صوتًا مُفْضيًا لمحاولة التعرف إلى أهم خصائصه الجمالية والمضمونية ومقدار اندراجه في السنة الشعرية العربية السائدة أو ابتعاده منها.
فهل الشاعر المتسول المنبوذ أو الذي"أفرد إفراد البعير المعبد"على حد قول طرفة، ينجز قولًا شعريًا مباينًا فنًا ومضمونًا للشعر الشائع المعروف؟
وسأحاول تحقيق هذه الغاية بتناول شعر ثلاثة شعراء متسولين إلا أن النتائج التي سنتوصل تعد مقاربة ناقصة لا تكمل ما لم يدرس كل شعر التكدية.
وهؤلاء الشعراء الثلاثة هم: أبو فرعون الساسي وأبو المخفف عاذر بن شاكر، والأحنف العكبري (5) .
إن زعيم هذا النوع من الشعر هو أبو الشمقمق (أي الطويل) لافاضته في وصف الفقر ولابتكاره الجمالي فيه والاتجاه به إلى اللون اليومي الشعبي"الواقعي"وقد نهج لاخوانه في المسغبة نهجهم في القول الشعري (6) .
أبو فرعون الساسي (7) :
تكاد أشعاره الباقية تبلغ السبعين بيتًا موزعة على مقطعات وأبيات متفرقة تتفاوت طولًا وقصرًا، وعدد قليل من القصائد.