والأبيات الثلاثة اللاحقة بالأول يمتزج فيها السرد بالوصف امتزاجًا تامًا، وكل منها يوضح بؤس حجرة الشاعر أو"جحره"ويعرض مظهرًا لفقره ومعاناته. والمقطوعة كلها وحدة فنية متدرجة العناصر مترابطة الجوانب تخلو من الخطاب المباشر إذ لا خطاب أبلغ من منطق الصورة الصامت. فالمقطوعة عبارة عن لوحة قائمة ترسم واقعًا فاجعًا بالكلمة الجميلة. وتتخلل نهايات المقطوعة عبارات"الفحش"الدال على السخرية المرة من الذات ومن القارئ أو السامع (قارئ وسامع زمنه أولًا) .
ولا نظن هذا"الفحش"لمجرد التزيين وإضحاك السامع- وإن كان الفحش شائعًا في الشعر زمن الشاعر- بل هو لوصف الحال أو المبالغة فيها باعتماد الخيال على نحو يصدم السامع والقارئ، فالعري كشف عورته- وهي ما يجب ستره حسب الأخلاق الرسمية- فلا داعي لاكسائها بثوب من كلام أو تجاهلها.
"فحَال الشاعر مكشوفة"لا ينفع في سترها جميل القول. ومن تغضبه عورته فليغضب من عورة العري والحاجة وغياب العدل.
والقول في المقطوعة فصيح متين سهل، والأنغام متنوعة، وافرة إذ التصريع المسترسل جعل بعض الأصوات تتجاوب في مقادير زمنية متقاربة.
ومن أمثلة التناغم الصوتي تكرر صوت العين في البيت الأول وورود صوت الحاء فيه. ونظرًا لعسر النطق بصوتي العين والحاء أمكن الذهاب إلى أن أصوات الحلق هذه تعزز نغميًا معنى الشدة التي يعاني منها الشاعر. وإذا صح ذلك قوّت الدلالة النغمية الدلالة المعجمية للألفاظ الدالة على عسر حياة الشاعر.
ولأبي فرعون الساسي مقطوعة أخرى نظمها على بحر الرجز تتكون من ستة أبيات مصرعة كلها يليها شطر له نفس روي الأبيات السابقة، هي عبارة عن سيرة ذاتية وعائلية فيها يشير إلى بؤس أطفاله وسعيه باكرًا إلى التسوّل الذي لا يجني منه ما يكفي بعض حاجته.
فهذه المقطوعة هي"سيرة بطن"لا يشبع رغم السعي.
وفي المقطوعة تتعاضد النعوت والأفعال مكونة وحدة متماسكة موجزة.