وقد ثمّن بعض النقاد المعاصرين هذه المقطوعة"والقطعة بديعة في تصوير بؤس أبي فرعون وبؤس عياله" (10) وعدّها آخرُ وصفًا رائعًا لحال كل المحرومين زمن الشاعر"وهذا وصف ما بعده وصف لما تعيش فيه الطبقة الفقيرة في المجتمع العباسي من بؤس وجوع" (11) .
انطلق الشاعر في البيت الأول من نعت صبيته بصغار النمل ملخصًا بذلك ضعفهم والتصاقهم بالأرض، وركّز على وجوههم مبينًا سوادها (فلا أنوار فيها تتلألأ...) مقارنًا اياه بسواد القدر للمساعدة على استحضار لون هذه الوجوه الملطخة. والسواد لون مُوِّجَ بدلالات متعددة في الشعر العربي. واستعمال الشاعر لسواد القِدْر غير شائع.
فسواد القدر صورة من وضعه"والصور الشعرية (...) تنظيم جديد للعالم الخارجي" (12) .
وكان إيقاع البيت خفيفًا غنيًا بالأصوات المكرّرة، المتقاربة، المتباعدة، وبالمفردات المتشاكلة المقادير والأحجام. فمن أبرز ما يتميز به الشعر"الموسيقى والنغم" (13) .
وزاد البيت الأول خفة وضوحُ الخطاب ويسره على سلاسته.
وفي البيت الثاني ذكر الباثّ حلول فصل الشتاء"وهم بشر" (أي أطفاله) بلا ثياب، فكانت النقلة إلى هذا التحديد الزمني بارعة إذ إن البرد الشديد سيزيد من معاناة أطفاله العراة.
وفي البيت الثالث حدد الشاعر زمن انطلاقه إلى التسول وهو الفجر. وهو بذكره هذا الزمن يلخص مجموعة تجارب في التسول لا تجربة واحدة في وقت بعينه.
وقد ارتبط هذا البيت معنويًا بلاحقه المكون من صور متراكبة تشير إلى التفاف أطفاله حوله والتحامهم به أثناء نومهم وفي لحظة قيامه للحركة والسعي:
وبعضهم ملتصق بصدري
وفي باقي المقطوعة استرحام وتذلل وشكوى وتأمل مرّ في منزلة الشاعر لُخِّصَ في سطر خاتم للمقطوعة أقام فيه الشاعر علاقات قولية جديدة أبرزته في وضع بشري خاص: ... والتمر هيهات فليس عندهم
"أنا أبو الفقر وأم الفقر".