فالاشارة إلى أبي نواس واضحة في قول أبي المخفف"يجلّ عن الصفات"و"يغلط في الصلاة". فخمرة أبي نواس لا توصف وتفقد ذائقها ملكة الإدراك وتبعدُه من الدين. وخبزة أبي المخفف كذلك. فالصور والتعابير تكاد تكون عينها عند أبي نواس وعند أبي المخفف لكن الموصوف مختلف لاختلاف وضع الأول المعيشي والثاني.
وليس مستغربًا أن أبا المخفف"يلاغب"زعيم الغزل عمر بن أبي ربيعة في قوله:
أوانسُ يسلبن الحليم فؤاده
فلجمال الخبز تأثير جمال الجميلات وأثر الخمر، ولخطوطه المنبثة فيه جمالٌ آخر نوراني لأنها بياض يشع من بين السمرة: ... ف نجوم ليل طالعات
وكأنما نقش الرغيـ
فالرغيف هو ما ينير ظلام حياة الشاعر لذلك يختم مقطوعته بحكمة فيها ذم للبخل بالرغيف وتمجيد للجود به للمحتاجين إليه. ... في وصفه أشعاري
لقد تضمنت هذه المقطوعة أصداء من التعابير والصور والمعاني الواردة في شعر الغزل العربي وفي شعر الخمرة منذ الجاهلية إلى أبي نواس. وقد وردت هذه الأصداء في سياق جديد يجعل تغنّي الشاعر بالخبز مبتكرًا أو كالمبتكر.
فالشاعر حَرَفَ بعض المألوف في أغراض أخرى عن وجههِ الأصلي ومزجه بجديده النابع من ذاته ورؤيتها وحياته فأنجز قولًا شعريًا طريفًا.
إن الخبز هو محبوبه الأول والأخير فمنه ينطلق وإليه يعود، ووفاؤه له دائم، لذلك يجوز اعتبار أشعاره أنشودة واحدة تتغير قليلًا أو كثيرًا من موضع إلى موضع.
ففي مقطوعة أخرى نظمها على المجتث ينْهَى- ساخرًا- عن وصف الطلول ومدح من"أكثروا في العقار"وينهى عن التغزل بالجواري ويدعو إلى"وصف"خبز"حكته شمس النهار"له"صورة البدر"الذي كملت استدارته:
فليس يحسن إلا
وذا ك أني قديمًا ... خلعت فيه عذاري
وغيره انما كان يصف وجوه الحسان بالبدر الذي صار قمرًا. ولعل أبا المخفف يلمح أيضًا إلى عمر بن أبي ربيعة القائل: ... فلست أفهم ما تقول
دع عنك لومي يا عذول
إن الرغيف محبّب ... في الناس مطلبه جميل