فهرس الكتاب

الصفحة 13907 من 23694

"يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم، يوم تَرَوْنها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد"، أليست هذه اللحظة حطامًا مذلًا لكبرياء الإنسان الذين لم تعظه قوافل البشر إلى القبر؟

وما أكثر الذين اعترضوا قافلة المعري ورجموه لأنه عرّى الإنسان من زيفه، وخير للإنسان أن يسير عاريًا من أن يلبس ثوبًا من الزيف يغطي حقيقته، فالقوي يسب خيرات الأرض والضعيف يطلب الكفاف فلا يجده:

بنو آدم يطلبون الثراء

فتى زارع وفتى دارع ... كلا الرجلين غدا فامترى

فهذا بعين وزاي يروح ... وذاك يؤرب بضاد ورا

هو الشر قد عمّ في العالمين ... أهل الوهود وأهل الذرا

وشتان ما بين فلسفة العقل وفلسفة الرغبات، وبين فلسفة المعري على حصيره وقد تجرد من الدنيا وفلسفة الجوع والظمأ داخل الغابة حيث يأكل القوي الضعيف. ... فهل أسيت لعين حين تختلج؟

وحضارة اليوم تجيز لنفسها أن يرى الشبعان جاره جائعًا فلا يهتز له ضمير حتى بتنا نحتاج إلى ابن سيرين معاصر يفسر أحلامها، فجاء فرويد ليكون ابن سيرين القرن العشرين، لكنه لم يفسر أحلام الناس على قدر رؤيتهم لها، بل ردّ كل ما في النفس البشرية إلى العقد والكبت، واغتال بصيرة الإنسان ليحل محلها اللاشعور، وجاء"ماركس"ليرد سعيه إلى المادة، وجاء"مكيافيللي"لينشر فلسفة"الغاية تبرر الواسطة". هدم هؤلاء بناء الإنسان الشامخ، وفرّقوا أحجار سد مأربه، حتى لم يبْقِ له إلا أن يتعزى بقول المعري:

بعالج بات هم النفس يعتلج

أدلجْ إلى رحمة الله التي بذلت ... فما يسرك إلا في التقى دلج

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت