فهرس الكتاب
أجل إن ما علمته لأبناء عصرنا يختلف عما علمته المعري، فهو فيلسوف عصره ويومه وشهره وسنته وإنسانه، أما إنسان اليوم فلا يقبل بفكر مفكّر الأمس، ولا يفكر له، ولا يعني ذلك رفض الماضي بل إقامة حوار معه، إنسان اليوم له ذكرياته وذاكرته وعليه حسن الاختيار، بعد أن اتسعت نظرته للحياة واتسع أفق تفكيره، وامتلك المعنى الكريم لوجوده وحريته، فلم يبْقَ يرضيه قول المعري: ... بنو الحسيسة أوباش أخسّاءُ
خسئت يا أمنا الدنيا فأفٍّ لنا
يموج بحرك والأهواء غالبة ... لراكبيه فهل للسفن ارساء؟
بل علينا أن نخوض غمار الدنيا، فلا نتهرب من فخاخها كما هرب المعري إلى محبسه وهو يقول: ... فانيَ عنها بالأخلاّء أربًا
فلا تطلب الدنيا وان كنت ناشئًا
هي فلسفة شيخ ملّ الحياة وملته وودع الشباب بلا رجعة، ولو أنصف لترك للشباب الذي يقبلون عليها بالأمل والتفاؤل فسحة للمجادلة. ... تشذ وتنأى عنهم الغرباء
لقد حاول المعري أن يجوس في سجنه الإنسان والكون والمعتقدات والموت، وسعى أن يميت الأمل والحياة ويعقم شجرتها، لكن الحياة تسير بنا دون أن يكون لنا خيار في سيرها، ولكن إنسان عصرنا حين يطمح إلى أن يقاضي المعري فيما قال، كأنما يعبر عن رعبه منه لأنه تجاوز في سجنه حرية الأحرار، ولعلّه ضجر من هذه الحرية، ولذلك سمىّ المعري أبناء عصره الغرباء في أوطانهم فقال فيهم:
أولو الفضل في أوطانهم غرباء
تواصل حبل النسل ما بين آدم ... وبيني ولم يوصل بلامي ياء
على الولد يجني والد وَلَوَ أنَّهم ... ولاة على أمصارهم خطباء