فهرس الكتاب
لقد اختار الخط المعاكس لسير الحياة، يريد أن يقطع الشجرة من أصلها ويبتر حبل النسل، وهي فلسفة الفناء والعدم، مع أن كأس الحياة عذب لشاربه، وقد ساغ للمعري مرارًا، لكن قسوة الحياة عليه نفرته عن قبولها. ومع ذلك فإن المعري لم يكن سجين محبسيه، كان في فكره رحّالة يجوب الكون وهو منطرح على فراشه، فكان لعزلته معنى كبير لم ندرك أبعاده، فهو يطوف في أعماق النفس الإنسانية يريد أن يعرّفها بذاتها، وقد غادر الحياة دون أن يحمل ضغينة على مخلوق، لم يكن له حلمه النجومي، ولا عاش عيشة البدوي في أودية نجد كالتويجري، ولا داعب خاله حلم النفط الذي حمل للبداة فتنة الحضارة فلم يقووا على الانفكاك من قيودها، وأنّى لهذا البدوي المتمدين أن يطير به جناح المعري الذي تنزّه عن كلّ نفاق أو لذة، فلم يكن عبدًا لحضارة عصرنا التي أذلت الإنسان، وجعلته رديء الإيمان، رديء البصيرة، وموته أفضل من حياته. ولعله هو الذي يخاطبه المعري بقوله: ... فليت بعيدَ حِمام دنا
حياةٌ عناءٌ وموتٌ عنا
يد صغرت ولهاة ذوت ... ونفس تمنت وطرف رنا
زمان يخاطب أبناءه ... جهازًا وقد جهلوا ما عنى
البدوي يسوق قطيعه إلى الربيع حيث الخير والكلأ، وإنسان العصر يسوقه للدمار، فرابعة النهار في الصحراء وربيعها غير رابعة الليل، وريح الخزامى في نجد غير روائح عصر الفضاء، وكلاب البادية ما نبحت ضيفًا، وأبواب بيوتها مشرعة للناس. أما ملامح عصرنا فهي ملامح عصر علا وجهه الاصفرار. ومع ذلك فإن دعوة الحياة أقوى من كل دعوة. صحيح أن إنساننا ما عاد ذلك البدوي، الذي كان نزيل خيمته في الأمس فقد اخترقه النفط من داخله ويا ليته يعود إلى خيمته وغديره فيجاور الطير ويَرِد الغدير. لقد جردوه حتى من الأمنيات والذكريات، ونقاء السريرة، فالذين نظفوا سرائرهم منا اليوم قلة، في حين أن المعرّي نقّى سريرته من كل مطمع فقال: ... فما أنيقي إلا الظوالع والحسرى
إذا راكب نالت به الشأوَ ناقة