فهرس الكتاب

الصفحة 13911 من 23694

نعم كان الإنسان لغزًا أعيا المفكرين لغزه، ولكن المعري الذي أسرف في البكاء عليه نسي أنه استحال اليوم إلى عملاق يذرع الأقمار والنجوم والمجرات أصبح أكثر تعلقًا بالحياة من الإنسان في عصر المعري الذي قال فيه: ... وطول بقاء المرء سم مجرب

تود البقاءَ النفس من خيفة الردى

وما الأرض إلا مثلنا الرزقَ تبتغي ... فتأكل من هذا الأنام وتشرب

ورمية الشيخ المعري هنا خضبت بالدم مفرق الجمال، لكنها لم تكن رمية قاتلة لأن الحياة لا تميتها رمية رامٍ ولو كان شيخ المعرة، إنها حضارة العصر التي لا يرشدها إلى طريقها القويم غير مياه الغدير في الصحراء العربية حيث نادت الرحمة كل الظامئين إلى الحقيقة أن تعالوا، والمعري أحد دعاة البشر لينهلوا من مائها حيث يقول: ... حتى ادعوا أنهم للخلق أرباب

قد أسرف الأنس في الدعوى بجهلهم

يزورنا الخير غبًا أو يجانبنا ... فهل لما يكره الإنسان إغباب؟

وقد أساء رجال أحسنوا فَقَلَوْا ... وأجملوا فإذا الأعداء أحباب

فانفع أخاك على ضعف تحسُّ به ... أن النسيم بنفع الروح هبَّاب

وهو من دعاة الفضيلة، ومن الباحثين عن النقاء الإنساني الذي يفتقر إليه عصرنا وما أكثر الذين يدَّعون الفضيلة فيهم وهم رموز للدناءة وكأنه يقول فيهم: ... بصاحب حيلة يعظ النساءَ

رويدك قد غُررت وأنت حر

يُحرّم فيكم الصهباء صبحًا ... ويشربها على عمد مساءَ

إذا فعل الفتى ما عنه ينهى ... فمن جهتين لا جهةٍ أساءَ

الإنسان يظمأ إلى الحقيقة والمطلق وتلك هي مشكلته، وهو يختلف عن الكواكب والنجوم التي تجري في مداراتها بثبات، لأنه حر في اختيار ما يشاء من مدارات يجري فيها، ولكنه لم يستعمل جيدًا هذه الحرية، وما نشهده من فوران ذهن الإنسان بين الرفض والقبول والنزوع إلى المادة والمثالية، وتقلبّه بين الحزن والفرح والجد والهزل، مما يجعله كائنًا غريبًا، لا يعي دوره. ... وغيٌّ في البطالة متلئب

وما رسائل المعري للناس إلا اندفاعات ذهنية لا نعرف مدى قربها من الحقيقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت