فالغموض هو الدرب الذي إذا سلكناه ضاعف من حيرتنا. ومصيدة الشك فخّ للمتشكك، وخير للمرء أن تذوب ذاته ويخشع للجمال من أن يدعو إلى العقم ودفن الأنثى. فالألم الذي يحملنا على جناحه ويحلق بنا إلى الذورة من المعاناة هو السبيل الوحيد للانفراج الذهني والعقلي والروحي الذي يطرد كل جراد عن زرعنا، وبه وحده نصون لنا ولأولادنا القوت الروحي، فإذا تكاسلنا عن حرث أرض النفس ما جادت نفوسنا ولا أثمرت، فليس لنا أن نشوه جمال الحياة ولا أنْ نضع أقدامنا الحافية على نبتاتها الطرية فندوسها، فالحياة تسير بنا بطيئة بخفها الذي نرقّعه من شدة ما تنهش منه حصباء الطريق، وديننا هو دين الرحمة الذي لا يغتال ضحية في الظلام، ولا يسوقها إلى القنوط، والذين يغتالون الحياة لا يأمنون من أن تغتالهم الحياة لأنها الأقوى وهي المنتصرة في النهاية. ولو عاش المعري معنا في القرن العشرين لرأى كيف تنصب فخاخ الموت في مصلى العابد، ولرأى أناسنا"كالحمر المتنافرة"يتراكضون شرقًا وغربًا لينزعوا بدن الفضيلة منهم ومن أجيالهم اللاحقة، إذًا لرأي فيهم قتلة الحسين وسعيد بن جبير ولو طالت لحاهم، ولصدق قوله فيهم:
نفوس للقيامة تشرئب
تأبّى أن تجيء الخير يومًا ... وأنت ليوم غفران تئبُّ
فلا يغررْك بِشرٌ من صديق ... فإن ضميره أحن وخبّ
فالحياة اليوم ليس فيها لشيخ المعرة معتزل يلوذ به، ولكنها هي.. هي.. كما كانت وكما يمليه التصور، هي ذكريات لماض جميل أو قبيح، وحلم يقظة لا نملك إلا السراب، وشيخ المعرة لم يملك منها غير موهبته والورق. ... كما فسدت من الخيل العراب
وفي رسالة تحت عنوان"لن أترك بابه"يتساءل الأديب التويجري: هل يجيب المعري الجالس على حصيرة في معتزله عن أسئلة محيّرة؟. مَنْ يدري.!! فالمسافة بيننا وبين المعري بعيد جدًا، والإنسان لو عرف نفسه لرأى الجواب في نفسه أنصع من شمس الضحى ولكن نفوسنا اليوم فسدت على حد تعبير المعري:
وأفسد جوهر الأحساب أشب