وأملاك تُجزأ في غناها ... وإن ورد العُفاة فهم سراب
وقد يغري أسود الغيل حرص ... فتحويها الحظائر والزراب
إننا نتصور أننا نعرف نفوسنا ونخوض في مياه نظيفة، ولكننا نكتشف خيبة أملنا فأحلامنا لا تفسرها أي مدرسة فلسفية من مدارس العصر، ومتاهاتنا النفسية في الصحراء هي تفاهاتنا ذاتها في القرن العشرين، ومداركنا معارك لفظية يمليها العجز والحيرة. فنحن أعيامن باقلٍ ولكن مكابدتنا تزين لنا أحلامنا وتدفع بنا نحو الانتصار. فالحياة بلا إيمان بهدف ومبدأ لا طعم لها ولا لون، ونحن فيها حداة إبل. الشجاع منا من لم يسمح لجمله أن يبرك في المسيرة ومن بركت به ناقته كالمعري لا يعيق المسيرة: ... ولا خير في العيش مستصحبًا
صحبت الحياة فقال العناء
وقد كنت فيما مضى جامحًا ... ومن راضه دهره أصحبا
حبا الشيخ لا طامعًا في النهوض ... نقيض الصبي إذا ما حبا
ولم يحبني أحد نعمة ... ولكن مولى الموالي حبا
فالقنوط خلل في بنيان الإنسان لا ينقذه منه غير الأمل برحمة الله. ... يسمو بحكمته إلى تهذيبها
كلنا يحاول الهرب من أحلامه إلى البعيد، لا فرق بين من ذهب إلى النجوم أو سبح في فكره ليرى ويبصر وهو طليق الجناح أو اتخذ الشعر كأمتنا مطية للطيران على أجنحة الخيال، أساطين حضارتنا يحاولون أن يهاجروا بالإنسان نحو البعيد، إلى قفار لا مآذن فيها ولا أفئدة، ولا نداء سوى نداء المادة والمال، حضارة تريد أن تستسلم لإلحادها وتفسخها الخلقي وعلينا أن نهرب منها، ونتجنب خطر السقوط بسببها منساقين وراء جبلتنا:
وجبلّة الناس الفساد فضّلَّ من
وربما كان المعري الإنسان الوحيد الذي تخطت قصائده الرقاب القصيرة ولم ترها، رقاب قصيرة تتطاول ونحسب أنها لحمقها وسفهها تعلم البشرية مع أنها تعيش في طينها وحمئها: ... معاش يُمترى ودم يُثجُّ
هي الدنيا على ما نحن فيه
وما فتئت ولاة الأمر فيها ... على الصفراء تُصرف أو تشجُّ