فهرس الكتاب
بعد ذلك تبدأ المرحلة الثانية، حيث ترفع فتاة هيكل أم الغيث، وتطوف به من بيت إلى آخر، ومن ورائها موكب الفتيات، والأطفال الصغار، وهم يردّ دون مقاطع من أنشودة أم الغيث بحركات راقصة.
ويقف الموكب أمام كل بيت، فترش ربة البيت الماء على المحتفلات ثم تعطيهنّ شيئًا من القمح أو العدس. وهكذا ينطلق الموكب من جديد إلى بيت آخر، حتى الانتهاء من زيارة البيوت كافة.
وهنا يدخل الطقس في المرحلة الثالثة، حين يجتمع الموكب في ساحة، وتظل أم الغيث مرفوعة، وتطبخ الحبوب في قدر، ثم توزع، وتؤكل كصدقة أو قربان، ويسود عندئذ جو من الاستبشار، ولا يغادر الحاضرون المكان إلى ساعة متأخرة انتظارًا للمطر. فإن هطل الغيث انصرفوا إلى منازلهم، وإلا ّ جرت إعادة مشهد أم الغيث مرة، ومرات حتى يستجيب الله لدعوات الصغار وتوسلاتهم.
وأنشودة أم الغيث تبدأ باستهلال دعائي، تليه مقاطع في وصف الجدب واليباس، ومن ثم الدّعاء، والرجاء بهطل المطر ثم يختم الغناء بدعوة ربات البيوت إلى البذل والعطاء وذلك وفق ما يلي (9) :
آمَّ الغيثْ
عبّي الحوايه ... ميّه
أمُّ الغيث ... زعلانه
تجيب المطر ... من عانه
يللّه مطر ... يللّه طين
تا تشبع ... الحواوين
تاتشبع ... أم خنينه
وتكثرنه ... هالدهينه
والتعطي ... بالطبشي
صبّحْ ... ولدها ... يمشي
التعطي ... بالطاسه
أم حجول ... الردّاسه
والتعطي ... بالغربال
صبّح ... ولدها ... خيال
والتعطي ... بالحفنه
جوّا ... القاع ... مندفنه
إن تحليل هذا المشهد يضعنا أمام تساؤلات كثيرة، والسؤال الأساسي يتمحور حول أم الغيث. فمن هي؟ والواقع أننا لا نجد إجابة لدى أجيال الآباء والأمهات، والأجداد والجدّات، فهؤلاء كانوا يمارسون هذا الطقس لاعتقادهم أنه يجلب المطر دون معرفة المقصود بأم الغيث. ... ثمَال اليتامى، عصمةٌ للأراملِ
وللإجابة عن هذا السؤال نجد أنفسنا بحاجة إلى الاتّكاء على الموروث الأسطوري وقراءة طقوس الخصب القديمة التي كانت منتشرة في بلاد ما بين الرافدين.