فهرس الكتاب
ولأن الطقس ذو طبيعة أنثوية، فإن الافتراض الأولي لطبيعة أم الغيث أنها من ربّات الخصب (10) حيث يمكن القول: إن أم الغيث تمثل"أنانا"السومرية أو عشتار البابلية، ولكن في صورة غامضة، بعيدة الحضور في الذهن.
ولا شك عندئذ أن هذا الطقس استمرار لطقوس الخصب القديمة، وأن دلالته المباشرة قد ضاعت، ولكنّ وظيفته ظلت متوارثة في هذه البيئة.
ومما يؤيد هذا الاعتقاد أن المرأة شكلت ركيزة أساسية في طقوس الخصب لدى مختلف الشعوب والحضارات. حيث يتحدث علماء الأساطير، والانتربولوجيا عن تصورات للقوة الإلهية، في شكل وماهية أنثوية. هي الأم الكبرى للكون، وذلك في العصر الباليوليتي الأعلى (30000-10000) ق. م.
"والديانة الباليوليتية، ديانة زراعية في اعتقادها وطقسها، والأسطورة الأولى هي أسطورة زراعية تتركز حول إلهة واحدة هي سيدة الطبيعة" (11) وذلك في مرحلة ما قبل بزوغ الكتابة، ونشوء المدن. وقد عُرفت الأم الكبرى بأسماء كثيرة في الحضارات المتعاقبة، فهي على سبيل المثال (12) : نمو، وأنانا السومريّتان، وعشتار البابلية، وعناة الكنعانية، وعشتروت الفينيقية وايزيس المصرية، وأفروديت الاغريقية. وفي هذا المعنى يقول الباحث فراس السواح:"لم يتم بالفعل تحطيم صورة الأم الكبرى، وتشتيتها إلى صور مختلفة تحت أسماء متعددة إلاّ على النطاق الديني الرسمي. لأن صورتها الأولى كأم واحدة للكون والبشر قد استمرت في الضمير الشعبي، واستمرت معتقداتها وطقوسها وعباداتها قائمة إلى جانب العبادات الرسمية. ثم تحوّلت في الفترات الأخيرة إلى عبادات سرية، تمارس في الخفاء" (13) .
هذا التفسير الأسطوري ربما يجعلنا ندرك طبيعة طقس أم الغيث، وإلا فما معنى أن يرفع هيكلها، ويتم التوجّه إليها بالغناء الذي يذكّر بالترانيم التي ترفع إلى عشتار أو ايزيس (14) .