فهرس الكتاب
وأداء هذا الطقس لا يفترض معرفة كل هذه الدلالات في أذهان الذين يقومون به. فهذا أمر لا مجال لطرحه في ظل التطورات الفكرية والدينية التي تعاقبت منذ آلاف السنين، ولكن صدى ذلك الماضي ظلَّ ينبعث بشكل غير مدرك في وعينا الحاضر وليس في طقس المطر وحده تظهر المرأة، ففي طقوس الحصاد لدى بعض الشعوب تكسى آخر حزمة من القمح"رداء أبيض، وتزيّن بأشرطة ملونة، وتعلّق في عمود لأنها تمثل ملكة الحصاد" (15) .
وهذا ما يؤكد بنية طقس أم الغيث تحمل موروثات أسطورية تسرّبت إلى الذاكرة الشعبية، بعد أن لامسته مؤثرات توحيدية يكون الدعاء فيها إلى الله أن يرحم الناس والحيوانات فيرسل لهم المطر. وهكذا نلمح تواشجًا فكريًا عميقًا في مضمون هذا الطقس المطري يكشف عن فاعلية الماضي، وتأثيره في الحاضر.
وإذا تجاوزنا هذه النقطة إلى ظاهرة"رشّ الماء"فإننا نعلّل ذلك بالتفاؤل ولكن هذا التعليل لا يفسر هذه الظاهرة تمامًا. ومرة أخرى نلوذ بالميثولوجيا الأسطورية في تفكيك بعض الدلالات، والمشاهد التي تبدو غير ذات معنى.
فقد كان فرايزر يدرج مثل هذه المواقف في إطار ما يعرف بالسحر التعاطفي إذ"يفترض إمكانية تأثير الأشياء بعضها في بعض من بعيد عن طريق نوع من التعاطف الخفي" (16) الذي هو أقرب ما يكون إلى التأثير الرمزي المتبادل.
وكما أن ربة البيت ترش الماء على الموكب، فإن أم الغيث هي الأخرى في إطار تبادل الأدوار سترسل المطر في نطاق علاقة تحريضية- اتصالية رمزية.