فهرس الكتاب
وفكرة أداء هذا الطقس ذات دلالة رمزية أيضًا إذ يقوم الفلاح بربط السكة مقلوبة نحو الأسفل وتبقى متأرجحة في الهواء على هيئة الإنسان المشنوق، وتظل كذلك حتى يهطل المطر، وتنتهي هذه العملية بفكّ العدة، وإنزالها إلى الأرض.
وفي تفسير دلالة هذا الطقس يمكن القول: إن الناس تنظر إلى انحباس المطر على أنه عقوبة لخطيئة يرتكبها الإنسان. ومنذ القديم ترسّخ الاعتقاد بضرورة التكفير عن الخطيئة"بالصلاة، والتضحية، وبدأت التضحية عند الآريين بالضحايا البشرية، ثم حلّ الحيوان محل الإنسان، فصار يضحّى بأولى ثمرات القطعان، وباكورة الطعام الذي تنتجه الحقول ثم انتهى الأمر أخيرًا بالاكتفاء بالتسبيح، والثناء على الله" (18) .
ويبدو أن الاعتقاد بتقديم ضحايا بشرية للخصب والمطر كان من الأمور الشائعة في أكثر الثقافات والحضارات البشرية قبل ظهور الديانات التوحيدية، ونستطيع العثور على مثل هذا الاعتقاد، والطقس لدى الكثير من الثقافات التي تعتبر الملك تجسيدًا لإله الخصب، ومركزًا لنظام الطبيعة. يتوقف عليه هطل المطر، وخصب الأرض، وتكاثر الحيوان، وتتابع الفصول (19) .
وعلى هذا الأساس يمكن الافتراض دون جرم أن شنق العدة ما هو إلا استعادة خفيّة لطقوس القرابين، والتضحيات البشرية. بعد أن طرأت تعديلات عميقة, وتبدلات جوهرية في بنية هذا الطقس، فصار يكتفي بجزء من الضحية البشرية أو بما يرمز إليها وعدّة الفلاحة جزء من شخصية الفلاح، يستحيل بدونها أن يزرع أو يحرث ويبذر فالطقس عندئذ تضحية رمزية بالفلاح نفسه. وغالبًا ما يقوم تواصل انفعالي بين الفلاح والعدة المصلوبة حيث يظل مضطربًا. وقلقا، ما دامت العدّة معلقة في الهواء.
وعندما يسقط المطر تجده يهب فرحًا فينزلها، ويحفظها في مكان مناسب.
وبذلك يتحقّق طقس التضحية الذي بقيت ظلاله الواهية حيّة في الممارسات الشعبية العفوية ، دون وعي أو إدراك.
*قرابين المطر: