وتقدم مركب المجوس إلى ملكهم فأعلمهم بلحاق الرسل معهم، فسرّ بذلك ووجه فيهم. فمشوا إليه إلى مستقرّ ملكه، وهي جزيرة عظيمة في البحر المحيط، فيها مياه مطردة وجنات، وبينها وبين البر ثلاث بحار، وهي ثلاثمائة ميل... وفيها من المجوس ما لا يحصى عددهم... وتقرب من تلك الجزيرة جزائر كثيرة منها صغار وكبار، أهلها كلهم مجوس، وهم اليوم على دين النصرانية. إلا أهل جزائر منقطعة لهم في البحر بقوا على عقيدتهم الأولى، من عبادة النار ونكاح الأم والأخت، وغير ذلك من أصناف الشنار، وهؤلاء يقاتلونهم ويسبونهم.."."..فأمر لهم الملك بمنزل حسن من منازلهم، وأخرج إليهم من يلقاهم، واحتفل المجوس لرؤيتهم فرأوا العجب العجيب من أشكالهم وأزيائهم. ثم إنهم أنزلوا في كرامة وأقاموا يومهم ذلك واستدعاهم بعد يومين إلى رؤيته. فاشترط الغزال عليه ألا يسجد له، ولا يخرجهما عن شيء من سنتهما، فأجابهما إلى ذلك. فلما مشيا إليه قعد لهما في أحسن هيئة، وأمر بالمدخل الذي يفضي إليه فضيق حتى لا يدخل عليه أحد إلا راكعًا، فلما وصل إليه جلس إلى الأرض وقدم رجليه وزحف على أليته زحفًا، فلما جاز الباب استوى واقفًا، والملك قد أعد له وأحفل في السلاح والزينة الكاملة، فما هاله ذلك ولا ذعره، بل قام ماثلًا بين يديه، فقال: السلام عليك أيها الملك، وعلى من ضمه مشهدك... والتحية الكريمة لك، ولا زلت تمتع بالعز والبقاء والكرامة، الماضية بك إلى شرف الدنيا والآخرة، المتصلة بالدوام في جوار الحي القيوم- الذي كل شيء هالك إلا وجهه... له الحكم وإليه المرجع. ثم فسّر له الترجمان ما قاله، فأعظم الكلام وقال: هذا حكيم من حكماء القوم وداهية من دهاتهم. وعجب من جلوسه إلى الأرض وتقديمه رجليه في الدخول، وقال أردنا أن نذله فقابل وجوهنا بنعليه، ولولا أنه رسول لأنكرنا ذلك عليه.