ثم دفع إليه كتاب السلطان عبد الرحمن، وقرئ عليه الكتاب وفسّر له، فاستحسنه وأخذه في يده فرفعه ثم وضعه في حجره، وأمر بالهدية ففتحت عيابها (11) ، ووقف على جميع ما اشتملت عليه من الثياب والأواني فأعجب بها. وأمر بهم فانصرفوا إلى منزلهم، ووسع الجراية لهم"."
"... كان الغزال في اكتهاله وسيمًا، ومشى إلى بلاد المجوس وهو قد شارف الخمسين وقد وخطه الشيب، فسألته يومًا زوجة الملك- واسمها: نود- عن سنه، فقال مداعبًا لها: عشرون سنة، فقالت للترجمان: ومن هو من عشرين سنة يكون به هذا الشيب؟ فقال؟ للترجمان: وما تنكر من هذا؟ ألم تر قطّ مهرًا ينتج وهو أشهب؟ فضحكت"نود"وأعجبت بقوله، فقال في ذلك الغزال بديهًا:"
يا نود يا ورد الشباب الذي
قالت أرى فوديه قد نورا ... دعابة توجب أن أدعبا
قلت لها يا نود بأبي إنه ... قد ينتج المهر كذا أشهبا
فاستضحكت عجبًا بقولي لها ... وإنما قلت لكي تعجبا
فلما أنشدها الشعر وفسره الترجمان لها، ضحكت منه وأمرته بالخضاب ففعل ذلك الغزال. وغدا عليها يومًا ثانيًا وقد اختضب، فمدحت خضابه.. وفي ذلك يقول الغزال: ... فكأن ذاك أعادني لشبابي
بركت تحسِّن لي سواد خضابي
ما الشيب عندي والخضاب لواصفٍ ... إلاّ كشمس جلِّلت بضباب
تخفى قليلًا ثم يقشعها الصبا ... فيصير ما سترت بها لذهاب
لا تنكري وضح المشيب فإنما ... هو زهرة الافهام والألباب
ثم انفصل الغزال عنهم وصحبه الرسل إلى شنث يعقوب (12) بكتاب من ملك المجوس إلى صاحبها، فأقام عنده مكرمًا شهرين، ثم صدر إلى قشتالة مع الصادرين، ومنها خرج إلى طليطلة حتى لحق بحضرة السلطان عبد الرحمن بعد انقضاء عشرين شهرًا.