أما رحلته إلى الشرق وسببها: فهو أن الغزال هجا المغني المشهور علي بن نافع الملقب بزرياب، والمتوفى سنة 243ه، والذي نزل الأندلس قادمًا من المشرق، وحل ضيفًا على أميرها الحكم بن هشام، ثم ابنه الأمير عبد الرحمن الأوسط (الثاني) . أقول هجاه بهجو مقذع، فشكاه للأمير عبد الرحمن حسبما تزعم الرواية، وعرض هجوه عليه، فأمر الأمير عبد الرحمن بنفيه عن الأندلس.
وها نحن أولاء نورد مقتطفات من رحلته هذه ثم نناقش خطأ تاريخيًا ورد في سياق الرحلة، كما وردت في كتاب نفح الطيب:
"... ثم إن الغزال وقعت بينه وبين السلطان عبد الرحمن وحشة، فأمر السلطان بنفيه عن الأندلس، فكلمه فيه أكابر دولته فتركه. ثم إن الغزال لم يطب نفسًا بالمقام في الأندلس فرحل إلى العراق، وذلك بعد موت أبي نواس الحسن بن هانئ بمدة يسيرة. فوجدهم يلهجون بذكره، ولا يساوون شعر أحد بشعره... فجلس يومًا مع جماعة منهم فأزروا بأهل الأندلس، واستهجنوا أشعارهم، فتركهم حتى وقعوا في ذكر الحسن بن هانئ، فقال لهم من يحفظ منكم قوله (وسرد على مسامعهم قصيدة خمرية تقع في تسعة أبيات) (12) فأعجبوا بالشعر، وذهبوا في مدحهم له كل مذهب. فلما أفرطوا قال لهم خفضوا عليكم فإنه لي. فأنكروا ذلك فأنشدهم قصيدته (14) ، فلما أتمها خجلوا وافترقوا عنه. وأقام الغزال في رحلته تلك مدة يتجول في ديار الشرق، وما انفك في كل قطر منه من غريبة يطلعها وطريقة يبدعها. ثم إنه رجع إلى نفسه، وحنّ إلى مسقط رأسه وانصرف إلى الأندلس، وهو قد ترك شرب الخمر وتزهد في الشعر وشارف الستين، وركب النهج المبين، ولم ينسك نسكًا أعجميًا بل ظرف ظرفًا أدبيًا، وسلك مسلكًا من البرِّ مرضيًا".