هذا ما ذكره كل من ابن دحية والمقري في شيء يسير من الاختلاف عن رحلة الغزال الثالثة. ولكن ثمة خطأً تاريخيًا هو الذي دفعنا إلى استخدام عبارة: حسبما تزعم الرواية، وهي التي أوردناها آنفًا في سياق تبيان ظروف حدوث الرحلة- ذلك أن روايتي ابن دحية والمقري تجعلان حدوث هذه الرحلة بعد رحلة الغزال إلى بلاد الدانمارك وهي رواية ابن دحية في ذلك- هذا شيء: والشيء الآخر نصت الروايتان على أن هذه الرحلة وقعت بعد وفاة أبي نواس الحسن بن هانئ بمدة يسيرة. فإذا كانت المصادر التي ترجمت لأبي نواس قد أشارت إلى أن وفاته كانت سنة 198ه، كقول مقدم على غيره مع إيراد تواريخ عديدة قبل هذا التاريخ، فكيف يمكن التوفيق بين هذا وبين القول بأن ذلك قد حدث إبان إمارة عبد الرحمن الأوسط (الثاني) الذي تولى الإمارة في سنة 206هباتفاق كلمة المصادر الأندلسية والمشرقية؟
وقد نستطيع القول بأن التفسير القريب إلى الصواب أن تكون هذه الرحلة قد وقعت قبل رحلتي بيزنطة والدانمارك في عهد الأمير عبد الرحمن الثاني، وأنها قد وقعت في عهد أبيه الأمير الحكم بن هشام الذي كان قد استقدم زرياب وأنزله في ضيافته، ثم علت مكانته في عهد ابنه الأمير عبد الرحمن. أو لعلنا نقول إنها قد وقعت في أقصى احتمال في بداية عهد الأمير عبد الرحمن... أي في نفس 206ه.
بعد هذه المقارنة التاريخية التي لا بد منها آن لنا أن نناقش أمر قيمة رحلات يحيى الغزال العلمية والأدبية. بادئ ذي بدء، شكك المؤرخون المحدثون، أو لنقل بعض منهم، في حدوث أكثر من رحلة للغزال إلى بلاد الروم وبلاد المجوس. وأشار المرؤخون الذين تابعوا أحداث الرحلتين إلى أنّ ثمة خلطًا بين رحلتي الغزال الأولى والثانية.
ويعللون ذلك بتشابه ظروف وأحداث، بل وشخصيات الرحلتين، الأمر الذي دفعهم إلى اعتبار الرحلتين رحلة واحدة.