والحقيقة أن هذه القضية قد احتلت حيّزًا واسعًا من الجدل بين المؤرخين المحدثين من المستشرقين والعرب. وبالطبع فإن تشابه ظروف وأحداث وأشخاص الرحلتين ثم التقارب الزمني بين الرحلتين قد أوجد ذلك الجدل... وإذا ما أردنا أن نزيد هذا القول قلنا إن هناك تشابها في أحداث كثيرة وقعت في الرحلتين. فلقاء الغزال بالامبراطور البيزنطي وبملك المجوس، كان فيهما تشابه تقريبًا في تفاصيله. ولقاؤه بالامبراطورة البيزنطية، وبملكة المجوس وحديثه معهما وإعجابهما بظرفه كان واحدًا كذلك. ثم إن اسم الامبراطورة البيزنطية هو تيودورا، واسم ملكة المجوس (الدانمارك) أو النورمان كما جاء في الرحلة الثانية هو: نود أو تود، مما يوحي بتشابه الاسمين. وقبل ذلك هناك التشابه في وصف أهوال البحر في كلتا الرحلتين أيضًا. كل هذا جعل بعض الباحثين من المؤرخين الأجانب والعرب يعدُّون السفارة الثانية لا تعدو أن تكون صورة مشوهة للسفارة الأولى إلى بيزنطة، التي يجب أن تكون هي الحقيقة.
ويبدو لي بجانب ما سبق من اعتبارات أن هناك أمرًا أدى إلى زيادة الخلط والتشكيك في أمر الرحلتين. فراوي الرحلة الثانية للغزال وهو"ابن دحية الكلبي"وهو من الأدباء المتأخرين، وقد توفي سنة 633هكما أسلفنا لم يسند روايته. بمعنى أنه لم يشر إلى المصدر الذي نقل عنه خبر رحلة الغزال إلى بلاد النورمان. وبالطبع فإن من المستحيل أن يكون"تمام بن علقمة"راوي أخبار رحلة الغزال هذه والذي أشار إليه"ابن دحية"هو الذي نقل خبر الرحلة لابن دحية شفهيًا لأنه يفصل بينهما أكثر من ثلاثة قرون. ذلك أن تماماَ كان معاصرًا للغزال المتوفى في سنة 255ه. ومن هنا، بجانب ما سبق ذكره، نشأ الخلط والتشكيك في الرحلتين... أو بالتحديد في الرحلة الثانية.