فهرس الكتاب

الصفحة 13973 من 23694

على أن البحث العلمي أثبت خطل هذا الرأي- فأثبت صحة حدوث الرحلتين معًا. ذلك أن الأبحاث الجغرافية التي أجراها بعض الباحثين الغربيين على خط سير الغزال في رواية ابن دحية والمعالم الجغرافية التي أشار إليها أكدت الاقتناع الكامل بصحة الرحلة إلى بلاد النورمان أو المجوس، أو الدانمارك الآن... بل إن أحد الباحثين، الأوربيين، وهو"ميشيل ت. كلاف"MICHAEL T. KLAFE وهو النرويجي الجنسية، تتبع من خلال دراسة تاريخية عميقة لملوك النورمان، أو ملوك الدانمارك، أحداثهم وأسماءهم. فخلص إلى أن الرحلة قد وقعت في عهد الملك الدانماركي المسمى"هوريك". وقد أشار إلى ذلك المؤرخ والأديب الروسي اغناطيوس كراتشوفسكي، في كتابه"تاريخ الأدب الجغرافي العربي"والمترجم إلى اللغة العربية، فقد استوعب كل هذا الأقوال، وما خلص إليه هذا الرأي من أن رحلتي الغزال كلتيهما حقيقيتان، وأن كل واحدة منهما تعدُّ رحلة قائمة بذاتها.

والآن، وقد أجبنا عن التساؤل المتعلق بأهمية وحقيقة رحلتي الغزال التاريخيتين، يقتضي الأمر أن نعرض إلى الأثر السياسي الذي تركته هاتان الرحلتان الديبلوماسيتان في الأندلس. يمكن القول بأن الرحلة الأولى (وهي رحلة بيزنطة) على الرغم من أنها لم تحقق غايات سياسية إلا أنها على مستوى الصعيد الثقافي والحضاري قد تركت أو خلفت انطباعاًَ جميلًا في أذهان البيزنطيين آنذاك، بما عكسه الغزال ورفيقه من سلوك راق وثقافة عالية يدلان على ما بلغته الدولة الأموية في الأندلس من تمدن ورقي مادي في عهد الأمير عبد الرحمن- كما أن الغزال في الحقيقة تمكن بكياسته وظرفه من نسج خيوط الصداقة مع الدولة البيزنطية، وأن كانت المصادر لا تمدنا بتفاصيل دقيقة لذلك... ولكن هذا ما يفهم من عبارة ابن خلدون في كتابه"العبر"الذي يقول وهو يستعرض أخبار رحلة الغزال مختتمًا الحديث بهذه العبارة: إن الغزال أحكم بينهما- أي الامبراطور والأمير- الصلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت