لقد ظهرت المذاهب الأربعة لأهل السنة بين القرنين الثاني والثالث للهجرة، وتم بعد ذلك إغلاق باب الاجتهاد (11) . وهو قرار كان قد اتخذ استنكارًا للتأويلات التي بدأت تأخذ عند أصحاب بعض المذاهب الأخرى أشكالًا تسربت إليها في كثير من الأحيان من معتقدات وفلسفات قديمة كانت منتشرة في المنطقة قبل الإسلام. وقد تطورت في ذلك العصر أيضًا بعض الحركات الصوفية، التي أخذت عند بعضهم شكل نظام فلسفي متكامل مرتبط بتطورات خاصة لأركان العقيدة، كما هو الحال عند السهروردي، الذي أعدم سنة 525ه، وابن عربي (ت 638ه) . لقد قاوم الحكام مثل هذه الحركات حين لم تكن تلائم حرفية معتقداتهم (12) . وإذا كان هذا القمع الفكري قد أوقف عمل العقل والاجتهاد، فانه لم يمنع ظهور حركات متطفلة على الصوفية صار لها أتباعها وطرقها، ويتزعمها بعض المشعوذين. وأخذ يطغى على العامة فكر غيبي يؤمن بالسحر والتمائم وقراءة الغيب، على الرغم من أن الدين الإسلامي ينهى عن ذلك. وهكذا تشكلت شيئًا فشيئًا طبقة تمثل ما يسميه بعضهم نوعًا من الاقطاع الديني (13) . إذ تشكلت طبقة أشبه ما تكون بالكهنوت، على الرغم من عدم وجود كهنوت في الإسلام. وصار أصحاب كل طريقة يأتمرون بأمر زعيم طريقتهم كالمرابطين في المغرب، ومشايخ الطرق في المشرق، ولا تزال بعض هذه الطرق موجودة في كثير من بلدان إفريقية الإسلامية، وحتى الآسيوية، وإن كانت في مصر وسورية تأخذ شكلًا آخر هو تجمع من المريدين حول بعض أئمة المساجد. ولذلك كان ظهور رجل مثل ابن خلدون وتلميذه المقريزي معجزة في ذلك العصر. (ولكن يبدو أن ابن خلدون نفسه لم يستطيع التخلص نهائيًا من الفكر الخرافي) (14) . لذلك لم يكن وجود مثل هؤلاء المفكرين ليوقف مدّ اللاعقلانية، الذي راح يطغى على القاعدة العريضة من عامة الشعب.