فهرس الكتاب

الصفحة 13985 من 23694

لقد اقتصر عمل الغالبية العظمى من كتاب القرن الثالث عشر على تأليف المعاجم، وفهارس الأعلام، وتدوين الأحداث اليومية من سياسية وعسكرية، نقل أخبار السلف الصالح، والإفاضة في الحديث عن أحكام العبادات والطقوس (15) . فالناس في ذلك العصر، على ما يتراءى لنا، أصبح همهم الأوحد الخلاص من جور الحكام الطغاة الذين أصبحت صورتهم لدى عامة الشعب هي صورة السلطة والنفوذ، لا صورة الإدارة ورعاية مصالح الناس، وصورة التسلط والابتزاز، لا إقامة العدل وتقديم الخدمات العامة.

فإذا أضفنا إلى هذا أن المراكز التجارية في شرقي البحر المتوسط بدأت تفقد أهميتها، وأن الوضع الاقتصادي أخذ يتردّى بالتالي في العالم العربي الإسلامي الذي أنهكته غزوات المغول والصليبيين والتتار، ثم رزح بعدها تحت سلطة الحكم المملوكي، ثم العثماني، وأن ذلك لم يخلف سوى الفوضى والخوف والفقر والجهل، فهمنا لماذا كان ذلك كله عاملًا مهمًا لأن تخبو شعلة المعرفة في العالمين العربي والإسلامي. أما في الغرب فقد أخذت مرافئه التجارية، ولا سيما تلك التي على سواحل البحر الأبيض المتوسط، تزدهر باطراد، بعد اكتشاف طريق التجارة مع الشرق. وهذا ما دفع الطبقة البورجوازية الفتية إلى أن تطمح بالخلاص من سلطة الكنيسة، ومن حكم الاقطاع. وقد انعكس ذلك كله على الفكر فتحرر وانطلق، لتكون قاعدة عريضة من المهتمين بالعلم وشؤون الفكر والفلسفة والفن بوجه عام (16) .

على أن كل ما قدمناه من مبررات وأحداث، لا يسلط الضوء إلا على الأسباب التي أدت إلى اضمحلال الحركة العلمية في العالم العربي الإسلامي. وقد يتساءل أحدنا: لماذا لم تجد هذه اللمحات المضيئة، بين من (تابعها أو تتلمذ على صانعيها، من يفطن إلى أهميتها، لدرجة أنها غابت في عالم النسيان كل هذه القرون؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت