فنحن لا نجد مثلًا، بعد ابن الهيثم (ت- 1039م) ، من تلمس جمال تفسيره لحادثة الرؤية والناشئة من انعكاس الضوء على الأجسام، فطوّره ليطبقه على الانكسار. كما لا نجد من دافع بقوة عن صحة منهجيه في البحث، ليصبح منهجًا عامًا يضمن صحة النتائج للبناء على أساسها، ولكي يسير على هديه ويحسنه كل من أتى بعده. بل، على العكس، نجد أن نصير الدين الطوسي الذي أتى بعد ابن الهيثم بما يقرب من قرنين (1201- 1274) يعود إلى نظرية أفلاطون، والتي تقول بأن هناك شعاعًا يصدر عن العين فتحدث رؤية الأجسام.
فكأن تجارب الحسن بن الهيثم كلها لم تقنعه، حتى لقد ظُنَّ أنها لم تصل إلى علمه (17) . كما لا نجد لعلم المثلثات الذي طوره العلماء العرب والمسلمون، وأضافوا إليه الكثير، سوى ظلال لهيكل غير واضح المعالم. ولو تتبعنا من عملوا في المثلثات لوجدنا أن المتأخرين منهم لم يسيروا على هدي أعمال من تقدمهم.
فالبتّاني (824- 929) مثلًا، يعد أول من بحث في المثلثات جديًا، وأول من عرّف الجيب والظل، مقتبسًا بعض الأفكار عن الهنود، فاستطاع الإفادة من ذلك في حل المثلث القائم. لكنه لم يصل من ذلك إلى قاعدة عامة يسير عليها الآخرون، أو جربوا أن يصلوا إليها ويطبقوها.. وإذا كان قد تخلص من فكرة وتر القوس، التي كانت متبعة عند اليونانيين. فإن البيروني الذي أتى بعده، بما يقرب من قرن، نجده يحسب وتر مجموع قوسين وفرقهما اعتمادًا على نظرية وردت في رسائل ابن قرة في الدائرة، والتي ترجمها عن أرخميدس (18) .