فهرس الكتاب
وكانت تخطب في جنودها بصوت رنان قوي. وقلما اعتلت السرير المحمول، مؤثرة امتطاء الجواد في أغلب الحيان. وذكروا أنها كانت تمشي على قدميها ثلاثة أميال أو أربعة مع الجنود، وأنها كانت تحتمل الشمس والغبار، وتصطاد مع زوجها أذينة في الأحراش والجبال (48) .
من جانب آخر، فإن ثقافة زنوبيا الواسعة، وذكاءها المتوهج، وإحاطتها نفسها بباقة من أكابر الثقافة في عصرها، مكنتها من أن تدرك أهمية الأعمال الفنية العمرانية ودورها في إظهار عظمة الدولة وأبهتها. وإذا لم يكن في الإمكان أن يعزى إلى زنوبيا بناء الهياكل العظيمة في تدمر، ولا سيما معبد الشمس المعروف باسم"هيكل بعل"فقد أضافت إلى الآثار التي أبقاها أسلافها أبنية عظيمة وحصونًا عجيبة. وأمرت بإيصال الشارع الرئيسي، الذي كان يجتاز قلب تدمر -وطوله ألف ومئة متر- إلى باب قصرها الشامخ. وصرفت مبالغ كبيرة في تحصين أسوار مدينتها حتى استعصت على الجيش الروماني في أثناء الحصار الشهير عام 272م (49) .
وعرفت تدمر الازدهار والرقي في أيام ملكتها العظيمة، فقد عمرت البراري، وجرت المياه ومهدت الطرق وشقت الشوارع. ثم امتد العمران في أيامها إلى ضفاف الفرات (50) .
اليهود يكرهون زنوبيا
ماذا كانت ديانة زنوبيا. وهل صحيح أنها كانت يهودية، كما ذهب بعض اليهود قديمًا، وكما يذهب بعض غلاة الصهاينة حاليًا، هؤلاء الذين كلما رأوا عظيمًا أرادوا أن ينسبوه إليهم؟!
ليس في الآثار التي بين أيدينا ما يفيد تهودها. صحيح أن خبرًا ورد في"التلمود"يفيد حمايتها للأحبار، ولكن هناك أخبارًا أخرى توضح أن اليهود كانوا ناقمين على (تدمر) يرجون الله أن يطيل عمرهم ليروا نهايتها. وهناك روايات أخرى تشير إلى كراهية يهود منطقة الفرات لتدمر (51) .