تحتل المقاهي مكانًا وسيطًا في المخطط المعماري للمدينة المسلمة. وهي ليست ساحات عامة كالمساجد الكبرى، وليست أماكن شخصية كالمنازل ، فساحات المقاهي تشابه غالبًا ساحات الحمامات. وهي مفتوحة للناس كلهم تقريبًا، ولكن الذين لم يألفوا ارتيادها يبدون غرباء في أعين الرواد الدائمين.
وبفضل دراسة مستقصية للمصادر من أصولها نستطيع أن نعيد بناء الحياة الاجتماعية -الاقتصادية، وكذلك السياسية، التي كانت تجري في محيط المقاهي. ومن هذه المصادر المحاضرُ، المحررة في سجلات المحاكم الشرعية، وجرد البيانات بعد الوفاة، ووثائق الأوقاف، والمحاضر الشرعية الأخرى التي تسرد فيها المعلومات التي تخص أبنية المقاهي وبيعها وشراءها ووقفها وإيجارها. ومن جهة أخرى فالأبحاث التي كتبها العلماء، والمذكرات والصور الفوتوغرافية القديمة، والرسوم اللاذعة غالبًا، والمنشورة في صحف العصر ومجلاته... لها أهمية رئيسة في هذا الصدد.
يقدم المؤرخ «البديري الحلاق» بعض المعلومات عن مقاهي دمشق في منتصف القرن السابع عشر، ففي هذا العصر كان مقهى الخنديزاتية (الموصوف كما لو كان قريبًا من بيت السفرجلاني) مكانًا هامًا محاطًا بدكاكين، ومقهى المناخلية (الذي استمر قرنين فيما بعد) كان يقع قرب القلعة، وقد قاسى كثيرًا من الأمطار الغزيرة التي هطلت عام 1160هـ =1747م عندما تسرب الماء إلى داخله إلى ارتفاع ذراع رجل (3) . وكان العسكريون خاصة هم الذين يرتادونه لوقوعه قرب القلعة.