فهرس الكتاب

الصفحة 14111 من 23694

أما العوامل الأخرى الاقتصادية والعلمية، فقد توافقت هي الأخرى مع مصالح الأندلسيين وتوجهاتهم وتطلعاتهم العامة، لأن الشام ومصر كانت من البلدان الغنية على هذين الصعيدين، مما ساعد الأندلسيين والمغاربة على إيجاد أعمال مناسبة، سواء كان ذلك في الزراعة أو الصناعة أو التجارة، وكذلك الأمر في الميدان العلمي، حيث كانت مراكز العلم من مدارس وكتاتيب وزوايا وخوانق متوفرة بشكل لا مثيل له في العصور الوسطى، ولا سيما في المدن الكبرى كدمشق والقاهرة وحلب وبيت المقدس. وقد صور ابن جبير ذلك تصويرًا واقعيًا رائعًا بقوله:"وكل من وفقه الله بهذه الجهات من الغرباء للانفراد يلتزم إن أحب ضيعة من الضياع، فيكون فيها طيب العيش ناعم البال، وينهال الخير عليه من أهل الضيعة، ويلتزم الإمامة أو التعليم أو ما شاء ومتى سئم المقام خرج إلى ضيعة أخرى..." [16] "ويتابع قوله:"...فهذا الشرق بابه مفتوح لذلك، فادخل أيها المجتهد بسلام، وتغنم الفراغ والانفراد قبل علق الأهل والأولاد، ولو لم يكن بهذه البلاد الشرقية كلها، إلا مبادرة أهلها لإكرام الغرباء وإيثار الفقراء ولا سيما أهل باديتها، فإنك تجد من يبادر إلى كرم الضيف عجبًا، كفى بذلك شرفًا لهم" [17] "وبالجملة فقد ساعدت جميع العوامل السابقة الذكر الأندلسيين والمغاربة وأثَّرت بهم بشكل جعلهم يقبلون على بلدان المشرق وبخاصة مصر والشام وبصورة مستمرة. وقد عملوا خلال وجودهم في المشرق في شتى مجالات الحياة العامة دون استثناء مثلهم في ذلك مثل بقية سكان المنطقة الأصليين. وانطلاقًا من ذلك فلم يكونوا بعيدين عن المعارك التي خاضها العرب المسلمون ضد الصليبيين وغيرهم. ومسألة اشتراكهم في الحرب وبخاصة ضد الصليبيين ، تبدو من المسائل الصعبة جدًا ولا سيما أنهم كانوا في حروب شبه دائمة مع المسيحيين قبل أن تنشب الحروب الصليبية في المشرق" [18] ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت