فهرس الكتاب

الصفحة 14199 من 23694

ولقد لقي هذان المؤلفان رواجًا كبيرًا يومئذ وعكف العرب على ترجمتهما وشرحهما وتلخيصهما، وتواصل الاهتمام إلى زمن متأخر، معنى ذلك أنّهما صَاحَبَا جلَّ أطوار البلاغة العربية. فالبيئة الثقافية العربية لم تكن أجنبية عن تيارات في التفكير نتجت عن سياقات حضارية تختلف عن السياق العربي. أما المحور الثاني، والذي يتعلق بالنصوص فالجاحظ (18) مثلًا أشار أكثر من مرة، في مواطن متعددة وفي سياق اهتمامات متباينة إلى مصادر أجنبية.

وقد حصرت بعض الدراسات التأثر بالحضارة اليونانية، لكنها في معظمها تصدر عن تأويل خاص لحركة المد الحضاري فتضرب صفحًا عن وقوع الحاضر على الحاضر، فتجعل البيان العربي مَدينًا لِما قد تسرب إلى البيئة العربيّة من أفكار أجنبيّة. (19)

وعلى الأغلب لا نستطيع اليوم البت تمامًا في مثل هذه القضية، لكن بالعودة إلى النصوص يمكننا أن نتوصل لأحكام تؤكد التأثير والتأثر ونسبة كل منهما، ضمن شروط محددة لدى علمائنا.

أقدم مؤلف في البلاغة:

تمت الإشارة فيما سبق إلى أنّه لم يصلنا عن هذه الفترة (بداية نشوء البلاغة) مؤلفات صريحة الانتساب إلى البحث البلاغيّ، وتم ترجيح أن بعض العناوين التي احتفظت بها المصادر مثل (مجاز القرآن) المنسوب إلى قطرب، و (كتاب الفصاحة) للسجستاني، هي كتب أدب، لا كتب تحليل وتعليل لمسائل البلاغة.

وكتاب (مجاز القرآن) (20) لأبي عبيدة (ت 213هـ) هو من بين ما وصلنا، المصدر الوحيد الذي ينم عنوانه مبدئيًا على ارتباطه بالبلاغة، وقد أثير حوله نقاش قديمًا وحديثًا، ودارجلّ النقاش حول مسألة تصنيفه ضمن شجرة العلوم العربيّة، فقد عدّه بعض القدماء، وتبعهم فريق من المحدثين، كتاب تفسير، ومنهم من خصّه باللغة. وسبب هذا الاختلاف كامنٌ في خصائص الكتاب: فموضوعه قرآني، ومنهجه لغوي، وعنوانه والدّاعي إلى تأليفه بلاغيان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت