كذلك في حديثه عن أبي تمام وعقبى الإفراط، موقفه من هذا الأخير جعل بعض الدارسين (125) يرمونه بعدم التعمق في فهم وسائل التصنيع وزخارفه كما انتهت عند أبي تمام، ولا يستبعد القائل أن يكون ابن المعتز هو الذي انحاز بالبديع العربي إلى الزخرف المادي، وجعله لا يهتم كثيرًا بالزخرف العقلي أو المعنوي الذي كان عند أبي تمام، فلم يعرض لألوان التصنيع القائمة عنده، ووقف بتصنيعه عند الجانب الحسّي وعني خاصة بجانب التصوير وما يتصل به من تشبيهات وأخيلة.
-تَظهر شواهد الكتاب سعة ثقافة المؤلف، وسلامة ذوقه، ويضفي عددها طابعًا أدبيًا، ويؤكد خلو الكتاب من الاصطلاحات العلمية واعتماده الشرح الأدبي الموجز بُعده عن تعمّل الثقافات الأجنبية.
يتبدى في الكتاب نوع من نظام العرض، ومع أنه قد ألفه في وقت مبكر وبالتحديد في السابعة والعشرين من عمره مع ذلك جاء كتابه منظمًا إذ لم تبد عليه آثار المحاولات الأولى التي نعهدها في غيره.
-للكتاب قيمة بلاغية فقد تحدث فيه مؤلفه عن بعض فنون البلاغة تحت عنوان البديع، من مثل الاستعارة والتجنيس والمطابقة، ولعلّنا لا نكون مغالين إذا قلنا إن كتاب البديع كان أساسًا أوليًا لعلم البديع به تحددت معالمه منذ القرن الثالث. فمّهد الطريق لمن جاء بعده، و تأثر به علماء النقد والبلاغة كالجرجاني والآمدي وغيرهما ممن بحث في نشأة البديع (126) وتطوره في الأدب العربي على مرّ العصور الأدبية.
-أما قيمته التاريخية، فتأتي من كونه أول مصدر اختص بجمع فنون كثيرة من البديع، وحدّد خصائصها ونسّقها، وإن كان هذا لا يعني أن ابن المعتز هو أول من تحدث عن البديع، فقد سبقته محاولات متعددة، لكنه يبقى أول مصدر استقرت فيه صياغة نظرية تطبيقية لبعض فنون البلاغة.