فهرس الكتاب

الصفحة 14235 من 23694

إن أسامة يقدم لنا في"الاعتبار"نماذج يندر أن نطلع عليها في غير هذا الكتاب، في تلك الحقبة من التاريخ. ومن خلال القصص التي يرويها عن النساء، يقدم لنا فرصة ممتازة، كي ننتبه إلى المهاد الاجتماعي الذي عاشت فيه المرأة في ذلك الزمن، قبل تسمعئة سنة، مادام قد ولد عام 1095م. وهي السنة نفسها التي انطلقت فيها شرارة الحروب الصليبية، يوم قامت الكنيسة الغربية تدعو إلى الحملة الصليبية الأولى في"كليرمون".

إننا لا نرى المهاد الاجتماعي فحسب، ونحن نتصفح الحكايات التي يرويها أسامة عن النساء بل، إننا نشاهد صورة مقربة عن الحالة السياسية والاقتصادية والثقافية والنفسية التي عاشها الناس في تلك الحقبة. ونلمح في الآن ذاته أشباحًا لروح غريبة عن العرب، في تاريخهم، هي التي ندعوها الآن: الطائفية.

ولا شك عندي أن بن منقذ حين كان يتحدث، عفويًا، عن هذا الأمر قبل تسعة قرون تقريبًا، فلم يكن ليتصور أن أمته العربية، سوف تعيش زمنًا يشبه ذلك في رداءته. ويزيد أن العرب أنفسهم موزعون متفرقون، حتى إن بينهم لأنصارًا لأرباب الحرب الصليبية الجديدة، وممثلتها المعاصرة: إسرائيل.

لقد كان"الإعتبار"أول كتاب يضم مذكرات شخصية في الأدبيات العربية. وإذا كان هذا يمنحه قيمة في ذاته، فإن الحكايات والأحداث التي رواها فيه، ولا سيما ما يخص المرأة منها تضفي على الكتاب قيمة أخرى، ذاك أنها ليست حكايات فردية تروى، بل تصلح كل واحدة منها لتمثل حالة معينة، فعندما نجمع ما بينها كافة، ينشأ لدينا ما يشبه لوحة فسيفساء ضخمة، تجسد الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والثقافية والنفسية في ذلك الزمن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت