فهرس الكتاب
كان الطبريّ عالمًا متفرّدًا مجتهدًا، و"له مذهب في الفقه اختاره لنفسه وله في ذلك عدّة كُتب" (37) ، ولم يكن ليعتمد على النقل فحسب، وإنما كان يعتمد على العقل فيعمد إلى الاجتهاد، لأنه كان يتمتع بشخصية فريدة اتسمت بالموضوعية والعلمية والبعد عن التعصب الأعمى الذي كان معروفًا عند بعض العلماء في القرن الثالث الهجري في العصر العباسي، وسوف يتضّح لنا موقفه الموضوعي في بعض المسائل، ولاسيما في قضية هامة جدًا أوردها في كتابيه الهامين المشهورين هما: (لطيف القول في أحكام شرائع الإسلام) و ( اختلاف علماء الأمصار في أحكام شرائع الإسلام) وكان هذان الكتابان عامة، والثاني منهما خاصة مصدر محنة الطبريّ كما أطلق الطبري على هذا الكتاب الأخير اسم (اختلاف الفقهاء) (38) وبذلك اشتهر بين الناس، ولا بد من الإشارة بادئ الأمر إلى بعض البواعث الجوهرية التي حثّت المؤلف على تصنيفه، فقد ذكر أن الطبري أنشأه وبعث به جوابًا لأحمد ابن عيسى الذي سأله ذلك، وطلب منه معرفة سبب تأليفه كتابه السابق الأول.
أورد ياقوت خبر هذا الكتاب في قوله:"وكان أول ما عمل هذا الكتاب - على ما سمعته يقول_ وقد سأله عن ذلك أبو عبد الله أحمد بن عيسى الرازي: إنما يحمله ليتذكر به أقوال من يناظره، ثم انتشر، وطلب منه، فقرأه على أصحابه" (39)
يؤكد هذا النص المستشهد به أهمية هذا الكتاب الذي انتشر بين الناس، وطُلب منه ليطلعوا على آرائه ودقائق نظراته في قضايا ذات أهمية في فهم أحكام شرائع الإسلام، ومن المفيد أن نورده، وقد استشهد به ياقوت في معرض تعداد آثاره، وعلّق عليه بقوله"ومنها كتابه المشهور بالفضل، شرقًا وغربًا، والمسمّى بـ (كتاب اختلاف علماء الأمصار في أحكام شرائع الإسلام) قصد به إلى ذكر أقوال الفقهاء، وهم: (مالك بن أنس) فقيه أهل المدينة بروايتين،"