فهرس الكتاب
سبحانَ مَنْ ليس له أنيسُ
فلمّا سمع ذلك الحنابلة منه، وأصحاب الحديث، وثبوا ورموه بمحابرهم وقيل: كانت ألوفًا ن فقام أبو جعفر نفسه، ودخل داره، فرموا داره بالحجارة، حتى صار على بابه كالتلّ العظيم . ... ولاله على عرشه جليس
وركب (نازوك ) صاحب الشرطة في عشرات ألوف من الجند ن يمنع عنه العامّة، ووقف على بابه يومًا إلى الليل، ولأمر برفع الحجارة عنه، قد كان كتب على بابه:
سبحانَ مَنْ ليس له أنيسُ
فأمر (نازوك) بمحو ذلك، وكتب مكانه بعض أصحاب الحديث: ... إذا وافى إلى الرحمن وافدْ
لأحمدَ منزلٌ -لاشكّ- عال
فيُدنيه ويُقعدُه كريمًا ... على رغم لهم في أنف حاسدْ
على عرشٍ يُغلّفُهُ بطيبٍ ... على الأكباد من باغ وعاندْ
له هذا المقامُ الفَرْدُ حقًّا ... كذاك رواه ليثٌ عنّ مجاهدْ
فخلا في داره، وعمل كتابه المشهور في الاعتذار إليهم، وذكر مذهبه واعتقاده، وخرّج من ظنّ فيه غير ذلك، وقرأ الكتاب عليهم، وفضّل أحمد بن حنبل، وذكر مذهبه وتصويب اعتقاده، ولم يزل في ذكره إلى أن مات، ولم يخرج كتابه في الاختلاف حتى مات، فوجدوه مدفونًا في التراب، فأخرجوه ونسخوه، أعني (اختلاف الفقهاء) .." (42) ."
هذا النص الهام الذي أورده ياقوت على غاية من الأهمية في تاريخنا الفكري والديني، فهو يوضحّ لنا أمورًا خلافية كثيرة ذات أبعاد كبرى، ودلالات هامة جدًا.
أولها:اضطهاد الحرية المذهبية، وهذا مؤشّر خطير في قدسية الحياة الدينية والفكرية، ممّا جعله يفضّل اعتزال مجالس العلم، والابتعاد عن الاجتماع بالناس، وآثر الخلود إلى الخلوة في داره، ودفن آثاره في التراب حتى وافته منّيته، فاخرجها الناس بعد موته، ومنها كتابه (اختلاف الفقهاء) ، كان هذا كلّه من تدبير فئة متطرفة من الحنابلة.
ثانيها: موقفه من الإمام أحمد بن حنبل، ورأيه فيه أنه لا علاقة له بأصول الاختلاف، لأنه محدّث، وليس بصاحب مذهب معين في الفقه الإسلامي.