فهرس الكتاب
ثالثها: موقف المحدثين منه، ومن آرائه في الاختلاف، ولاسيمّا أنه"كان له قدم في علم الجدل، يدّل على ذلك مناقضاته في كتبه على المعارضين لمعاني ما أتى به..." (43)
يضاف إلى ذلك كلّه- كما يقول ياقوت- أنه"كان راجحًا في علوم القرآن والقراءات، وعلم التاريخ من الرسل والخلفاء والملوك، واختلاف الفقهاء مع الرواية ..." (44) .
كان الطبريّ في نظر معظم العلماء والناس إمامًا مجتهدًا عَدْلًا، أُوتي من سعة العلم، وصواب الرأي، ونفاذ الرأي، ولاأشك أن أحدًا من أعدائه أو أصدقائه من ينكر عليه عبقريته في مؤلفاته عامة ومؤلفيه الموسوعيين المشهورين في تفسيره وتاريخه وغير هما خاصة أو ينتقصهما، ويكفي أن نطّلع على ما كتبه من ترجموا له وتحدّثوا عن حياته وآثاره وآرائه.
هذه العقلية الاجتهادية المتفتّحة في فهم الأحكام الدينية والفقهية وتدبّرها، وثورته على الجمود الفكريّ والانغلاق العقليّ، ذلك لأنه كان يعتمد على الاجتهاد والعقل فيما يوافق العقيدة والنص والنقل، وهذا المنهج جعل بعض الفقهاء من الحنابلة وبعض المحدثين يترصدونه في مجالسه العلمية، ويوقعون به، ويوغرون عليه العامة من الناس، فيهاجمونه من مجلسه العلمي، ويرجمون داره.
يختلف الفقهاء والعلماء في كل زمان ومكان، واختلاف الأئمة رحمة كما هو معروف، والغريب حقًا أن يؤدي هذا الخلاف في وجهات النظر إلى استثارة العامة، ويحتاج صاحب الشرطة نازوك إلى عشرات الألوف من الجند ليحمي هذا الإمام العالم وهذا الإنسان المؤمن .
وآخر هذه الأمور أن هذا النص يؤكد أن الإمام الطبري كان مسامحًا لا يفرّق بين المذاهب الإسلامية وطوائفها، فقد انتصر لعلي بن أبي طالب (ع) حين تعرّض بعضهم - كما رأينا -لأحاديث الغدير، وعلّل بعضهم ذلك لتشيّعه وانتصاره لآل البيت.