فهرس الكتاب
مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 68 - السنة السابعة عشرة - آب"أغسطس"1997 - ربيع الآخر 1418
فهرس العدد
وتابع الطبري ذكر جماعة من المحدثين الذين يؤكدون هذا المذهب نقلًا عن كعب بن مالك، وعبد الله بن عمر، وابن مسعود، وعلي بن الحسين، واختتم ذكرهم بما أورده في رواية ثانية منقولة عن كعب بن مالك في ذات المعنى، وهي"أن رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، قال: (يُحشر الناس يوم القيامة، فأكون أنا وأُمتي على تلّ، فيكسوني ربيّ عزّ وجلّ، حلة خضراء، ثم يُؤذن لي، فأقول ما شاء اللّه أن أقول، فذلك(المقام المحمود) ..." (68) .
لم يكتف الطبريّ بهذا التوثيق كلّه لمفهوم (المقام المحمود) ، وإنما تدبّر أمر جماعة المذهب الثاني، أي جماعة مجاهد، وناقش آراءها، بكلّ موضوعية، في ثلاث فرق، ووضّح بعمق آراء كل فرقة على حدة، وارتأى أن ما ذكره مجاهد غير مرفوض وغير مدفوع صحّته، لا من جهة خبر، ولا نظر، وذلك لأنه لاخبر عن رسول الله، صلّى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن التابعين بإحالة ذلك. فأمّا من جهة النظر فإن جميع من ينتحل الإسلام إنما اختلفوا في معنى ذلك على أوجه ثلاثة" (69) ."
ومما يلفت النظر حقًا، في هذا الباب، أن الطبريّ أورد هذه الوجوه الثلاثة بكل أمانة وموضوعية في الفرق الثلاث التالية:
رأي الفرقة الأولى:
تعتقد هذا الفرقة أن اللّه عزّ وجلّ، بائن من خَلْقه، كان قبل خَلْقه الأشياء، ثم خلق الأشياء فلم يماسَّها، وهو كما لم يزل، غير أن الأشياء، التي خلّفها، إذ لم يكن هو لها مماسًّا، وجب أن يكون لها مباينًا، إذْ لافَعال للأشياء، إلاّ وهو مماسّ للأجسام أو مباينٌ لها.