فهرس الكتاب
فعلى مذهب هؤلاء أيضًا، سواء أَقْعَدَ محمدًا على عرشه، أو أقعده على منبر من نور، إذ كان - من قولهم __ أن جلوس الرّبّ على عرشه ليس بجلوس يشغل جميع العرش، ولا في إقعاد محمّد صلى اللّه عليه وسلّم، موجبًا له صفة الربوبية، ولا مخرجه من صفة العبودية لربّه، كما أن مباينة محمد، صلّى اللّه عليه وسلّم، ما كان مباينًا له من الأشياء ، غير موجبة له صفة الربوبية، ولا مخرجته من صفة العبودية لربّه من أجل أنه موصوف بأنه له مباين، كما أنّ اللّه، عزّ وجلّ، موصوف على قول قائل هذه المقالة بأنه مباين لها، كما هو مباين له.
قالوا: فإذا كان معنى (مباين) و ( مباين) لا يوجب لمحمد، صلّى اللّه عليه وسلم، الخروج من صفة العبودية، والدخول في معنى الربوبية، فكذلك لا يوجب له ذلك قعودُه على عرش الرحمن...." (73) ."
رأي الطبريّ الخاصّ
عرض الطبري ذلك بمنتهى الأمانة العلمية، وخَلص إلى قوله يلخّص ما أورده، ويعبّر عن رأيه الذاتي بقوله:"فقد تبيّن إذًا، بما قلناه، أنه غير محال في قول أحد ممن ينتحل الإسلام ما قاله مجاهد: من أنّ اللّه، تبارك وتعالى، يُقعد محمدًا على عرشه، فإن قال قائل: فإنّا لا ننكر إقعاد الله محمّدًا على عرشه، وإنمّا ننكر إقعاده معه" (73) .
لاحظ الطبريّ أهمية ما يورده من آراء، وخاصة المذهب الأخير، ورأى بثاقب بصيرته أن يوثّق رأيه هذا بما أورده قبل من حديث عبد الله بن سلاّم بقوله:
"قال: إنّ محمّدًا، صلّى اللّه عليه وسلّم، يوم القيامة على كرسيّ الربّ، بين يدي الربّ تبارك وتعالى، وإنما يُنكر إقعاده إيّاه معه. قيل: أفجائز عندك أن يُقعده عليه، لامعه ؟! فإن أجاز ذلك صار إلى الإقرار بأنه إمّا معه، أو إلى أنه يقعده، واللّه للعرش مباين، أو لا مماسّ ولا مباين، وبأي ذلك قال كان منه دخولًا في بعض ما كان ينكره."