فهرس الكتاب
وفي حين أن القصة القرآنية تكتفي بالحَدَث الأساسي لأن الغاية ليست كتابة التاريخ وإنما العبرة والهداية ، فإن الرواية الإسرائيلية تستمر في الأسطرة ، فهاتان ابنتا لوط تسقيان أباهما الخمرة وتضاجعانه ليأتي من نسلهما الموآبيون بداة الأردن والعموريون القبائل الزراعية فيها ، ويقال إن موسى حرم على الاسرائيليين في سناء قتال الموآبيين والعمورنيين لأنهما عبريون من نسل لوط ، على عكس ما أوصاهم بالنسبة للحثيين والآموريين والكنعانيين. جاء في سفر التكوين"أما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا فلا تستبق منها نسمة". هكذا تصبح العقوبة عند يهوه الإله اليهودي نتاجًا لشهوة الدم والإفناء للشعوب غير الإسرائيلية ، ويقوم بحمل هذا الأمر اليَهْوِي شعب يحترف القتل ويقدس المدنس.
ومن الغريب أن نجد بعض الأقوال والأمثال التي تحمل رموزًا غامضة تعود إلى تلك الأزمنة وأساطيرها ، من ذلك قول العامة: لاتعدّن بتطير بركتن ، وللذي يباشر العد يلحقونه بهذه العبارة: عد جمال أبوك . والإبل وغيرها من الماشية هي المال، وللذي يباشر العد ونحن متخوفون من حسده نقول: خمسة بعينين الشيطان ، خاصة إذا بلغ العد خمسة وزاد . والمسألة أساسًا ترتبط بالجزاء: الخطأ والعقاب، إنها ذاكرة بعيدة مبهمة ، ورواسب أسطورية قديمة تجعلنا نخاف من العقاب الذي يسببه الإحصاء ، والحادثة تعود إلى خطيئة داود حين أغراه إبليس أن يحصي شعب إسرائيل فكان أن غضب الرب وخيره بين ثلاث لعنات: ثلاث سنين من الجوع ، أو ثلاث أشهر من الهلاك في الحرب، أو ثلاثة أيام من الوباء .
لكن عصر الإحصاء اليوم يفرض انزياحًا طبيعيًا عن هذه الأفكار الأسطورية ، أما بقايا العبارات هذه لدى الثاقفين فإنها ترد في معرض الطرفة ، ولدى جهلاء العامة في معرض الاعتقاد.