فهرس الكتاب
5-إن نشأة المصطلحات والمسميات المعنوية، ترقى إلى نماذج حيّة في حياة الإنسان . نموذج أدركه وحسّ به وعايشه وعاينه، ليصبح كأنه جزء منه . وعندما يعرض لمفهوم فكري يريد التعبير عنه، يعود إلى ما يعرفه في حياته، فتكون المشابهة جسر العبور، ينطلق منه وينقل اللفظ إليه، وقد وصف أحد الدارسين علمية الانتقال، بقوله:"إن اللفظ يتبعُ المدرَك ويأتي بعده ضرورة، فالأصل في اللغة المدرَك الذهني ثم يأتي الإنسان بالصوت أو باللفظ الذي يُعّبر فيه عن ذلك المدرك."
وجميع المدارك الذهنية اجتماعية نشأت من صلة الإنسان بماحوله وبمن حوله .." [45] ومن هنا نفذ العربي إلى استخراج مصطلحات نحوه .."
6-إن المتتبع لمسيرة النحو العربي بعامة ومصطلحاته بخاصة يرى بأُمِّ عينه انطلاقتها المادية في ظلال الصحراء . إذ انطلق اللغويون والنحاة إلى مناهل اللغة يجمعون منثورها ويضمون متفرقها، لاستنباط أحكامها ورسم أطر قواعدها ،وكان المنهل الصافي في ذلك أعراب الصحراء الذين ابتعدوا عن مجاري الاختلاط بالشعوب الأخرى، فصفت مشاربهم لدى اللغويين، وقد حفظت المصادر روايات تدعم ذلك، منها ما قاله الكسائي للخليل:"من أين أخذت علمَك هذا ؟ فقال: من بوادي الحجاز ونَجْد وتِهامة، فخرج ورجع، وقد أنفذ خمس عشرة قِنِّينة حبرًا في الكتابة عن العرب، سوىما حفظ ..." [46] ..
وعندما بدأ بوضع أحكام لغته، قفل راجعًا إلى مصدره الأول يسائل الأعراب عن بعض قضاياه، مستعملًا مصطلحات ( ألفاظًا ) استعمالًا جديدًا فيجيبون عن معناها اللغوي الذي فهموه ويغرب عن بالهم المعنى الاصطلاحي ،وشاهد ذلك أن أحدهم سمع بعض فصحاء العرب ينشد: [من الرجز ]
* نَحْنُ بَنِي عَلْقَمَةَ الأَخْيَارا *